"الأربعاء الأسود".. 12 عامًا على تعرية الصحفيات أمام النقابة
May 25th, 2017


نوال علي

خرجت 4 سيدات، صباح 25 مايو/آيار 2005 ،  تجاه وسط القاهرة لأسباب عدة، منهن من ذهبت لتغطية الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها حركة شباب من أجل التغيير، وحركة كفاية؛ لرفض التعديلات الدستورية التي أقرها الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك، فيما ذهبت أخرى للمشاركة وثالثة من أجل حضور دورة تدريبية في اللغة الإنجليزية بنقابة الصحفيين، إلا أن مصير الأربعة كان واحدًا؛ لتعيش كل منهن واحدًا من أسوأ أيام مصر فيما عرف باسم "الأربعاء الأسود".

اليوم تمر الذكرى الحادية الـ 12، دون تحقيق و أو  اعتراف بأول جريمة ضد السيدات والصحفيات بالأساس، وتستر كامل من أجهزة الدولة على الحادثة.

الذكري التي كانت تمثل في ذلك الحين حدثًا جلل، إلا أن ذلك لم يكن ليعني شيئًا لصحيفة الأهرام، التي خرجت في اليوم التالي للواقعة لتشوه الضحايا بتقرير يحمل عنوان: "صحفية تخلع ملابسها أمام نقابة الصحفيين".

نوال علي، وشيماء أبو الخير، وعبير العسكري، وإيمان طه، صحفيات تم الاعتداء عليهن بالضرب وتمزيق ملابسهن، صباح "الأربعاء الأسود"، ليس هن فقط، ولكن هن اللاتي استطعن مواصلة الشكوى والمطالبة بحقهن بعدما أغلقت سلطات التحقيق في مصر – الممثلة في النائب العام – التحقيق قبل أحد عشر عامًا، مؤكدة أن: "لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية"، لتصدر اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان في 2013 حكمًا بإدانة مصر ومطالبتها بالاعتراف بالواقعة وتعويض الضحايا.

"مستعدة للحبس والضرب وأي حاجة، بس مش إني اتعرى تاني في الشارع"، كلمات جاءت على لسان الصحفية الراحلة نوال علي – بحسب ما نقلته عنها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية – و"نوال" لم تكن تعلم بالوقفة صباح اليوم الأسود، وكل ما كان يشغل بالها أن تلحق بدورتها التدريبية بنقابة الصحفيين؛ إلا أن "البلطجية" الذين أطلقهم أنصار الحزب الوطني المنحل، برعاية رجال الأمن في هذا اليوم – حسب رواية الشهود – أصابوها بجرح غائر طوله 10 سم وكدمات متفرقة بكل أنحاء جسدها.

في صباح ذلك اليوم، توافد العديد من السياسيين والشباب والصحفيات التي تنوعت أغراضهن – حينئذٍ – وبمجرد وصولهم إلى نقابة الصحفيين كانت قوات الأمن في انتظارهم وإلى جانبهم مجموعة من المدنيين؛ إذ بدأوا بالهجوم على المتظاهرين وشكّلوا مجموعات تلتف حول كل سيدة، ف مزقوا ملابسهن وضربهن وصفعهن وركلهن حينما حاولن الهرب من ذلك الهجوم، وكانت "نوال علي" – الصحفية الراحلة في عام 2009 قبل أن يصدر الحكم – أول من انتهى أربعاءها الأسود بتجريد ملابسها وإصابتها بجروح وكدمات متفرقة، ورغم كل هذا تعرضت لضغوط أسرية وعائلية انتهت بفصلها من وظيفتها وانفصالها عن زوجها، الذي طلقها خوفًا من "الفضيحة" لأنها طالبت بحقها.

وفي هذا السياق، قال محمد مجدي، الزوج الثاني لـ"نوال علي"، إن زوجته كانت ترفض أن تتذكر يوم الأربعاء الأسود، حيث لم يكن لها علاقة بالوقفة الاحتجاجية؛ بل كانت ذاهبة لنقابة الصحفيين لحضور دورة في اللغة الإنجليزية، مضيفًا أن "نوال توفت نتيجة القهر التي كانت تشعر به بعد الحادث، حيث أن كثير من المقربين لها تخلوا عنها، حتى أن زوجها السابق طلقها نظرًا لرغبتها في رفع قضية للمطالبة بحقها، لأنها من الصعيد وزوجها كذلك".

وشدد "مجدي"، على أن زوجته كل ما كانت تفكر فيه هو الحصول على حكم المحكمة، وأن يتفهم المجتمع أنها الضحية في هذه الواقعة وليس العكس، بعد أن تعرضت لضغوط من أقاربها وتم فصلها من جريدتها حتى تتنازل عن القضية، ولكن كل هذا لم يمنع استمرارها في القضية ولكن حالتها النفسية السيئة أدت لإصابتها بسرطان الدم، رغم أنه مرض وراثي في عائلتها ولكنه لا يأتِ لمن في سنها، ونتيجة لحالتها النفسية السيئة قضى المرض عليها".

شيماء أبو الخير، في تلك الفترة كانت صحفية بجريدة الدستور، وفي ذلك اليوم كُلفت بتغطية وقفة حركة كفاية أمام نقابة الصحفيين، وبمجرد وصول عدد قليل من المشاركين في الوقفة، والذين لم يتعدَ عددهم خمسين فردًا، وجدوا مجموعة من المدنيين ممن وصفتهم بـ"بلطجية الحزب الوطني" في انتظارهم، فالتف حولها ما يقرب من اثنتا عشرة سيدة اعتدين عليها بالضرب ومزقن ملابسها، ولكنها تمكنت من الهرب مما كان يحدث أمام نقابة الصحفيين.

وتحكي "أبو الخير"، أنها لا تريد أن تتذكر ذلك اليوم؛ نظرًا لما وقع فيه من انتهاك للصحفيات والمشاركين في الوقفة بشكل عام، مؤكدة أن الحكومة المصرية لم تلتزم بالحكم الصادر من اللجنة الأفريقية، وترفض حتى الآن الاعتراف بما حدث من انتهاكات في ذلك اليوم، وأمر النائب العام في وقتها بوقف التحقيق في القضية، مضيفة أن ما يحدث للصحفيين الآن أسوأ مما تعرض له الصحفيين في "الأربعاء الأسود"؛ حيث يفقد الصحفيين حياتهم الآن إما بالقتل أو في السجون نتيجة قيامهم بمهام عملهم.

"عبير العسكري"، كانت في هذا الوقت صحفية بجريدة الدستور أيضًا، لكنها اختفت الآن عن الأنظار، وأرسلت خطابًا للمبادرة المصرية تعرب فيه عن فرحتها بحكم اللجنة الأفريقية، وقالت في كلماتها القليلة "أخيرًا حصلنا على حقنا من نظام مبارك بعد أن تعرضنا لملاحقات أمنية وضغوط كبيرة للتخلي عن القضية، والحكومة التي استغلت كل سلطاتها لقمع الصحفيين، ويأتي الحكم ليبين العوار في القانون المصري الذي يهدر حقوق النساء".

أما الصحفية "إيمان طه"، وهي المدعية الأخيرة في القضية، وإحدى المشاركات في الوقفة في ذلك اليوم، قالت إنها شاركت اعتراضًا على تعديل المادة "76" من الدستور، ومن لحظة وصولها لضريح سعد زعلول بوسط القاهرة، علمت بوجود مكثف لقوات الأمن وأشخاص بزي مدني "بلطجية" سيدات ورجال؛ إذ قاموا بالهجوم على كل مَن كان بالوقفة لحظه وصولهم إلى نقابة الصحفيين.

وأضافت إيمان، أن كل مجموعة من البلطجية كانوا يلتفون حول كل سيدة ويمزقون ملابسها، ومَن تصرخ منهن يتم القبض عليها والتعدي عليها بالضرب، وهو ما حدث يومها مع الصحفية نوال علي، حيث أنها كانت الحالة الأكثر تأثيرًا"، ورغم بشاعة الواقعة، أغلقت النيابة العامة التحقيق في الواقعة مؤكده أنه "لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية"، كما رفضت النيابة إثبات واقعة هتك العرض.

وأكدت "إيمان"، أن الأمن في ذلك اليوم كان يقوم بحماية مَن وصفتهم بـ"البلطجية"، وقام بفرض طوق أمني يمنع دخول أو خروج أي شخص بعد الهجوم على المشاركين في الوقفة، مضيفة أنها لا تتوقع أن تنفذ الحكومة حكم يدين الدولة؛ لأنها حتى الآن ترفض الاعتراف بما حدث.

ولكن ماذا حدث ما الذي دفع الأمن والحزب الوطني – حسب رواية الشهود – للفتك بالمتظاهرين وقتها وبالسيدات بشكل خاص؟

قال الحقوقي حسام بهجت، المدير السابق للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والتي حصلت على الحكم، إن قضية "الأربعاء الأسود" بها فساد متداخل؛ بداية من إدارة حقوق الإنسان بوزارة الخارجية التي كانت تماطل في القضية أمام الاتحاد الأفريقي، وحاولت تعطيل المحكمة أكثر من مرة، مرورًا بالنائب العام في ذلك الوقت المستشار ماهر عبد الواحد.

وأضاف "بهجت"، أن فكرة الذهاب للمحكمة الأفريقية بالأساس كانت بسبب تخاذل النيابة العامة  في القضية، ورفضها التحقيق فيها ومحاولتها التأكيد أن ما حدث للصحفيات الشاكيات من تمزيق للملابس كان "صدفة"، إضافة إلى رفضها إثبات جريمة هتك العرض في التحقيقات وغيرها من المخالفات التي قامت بها النيابة بالقضية.

وأكد "بهجت"، أن تلك القضية كانت من أخطر قضايا انتهاكات حقوق الإنسان؛ حيث أن الجريمة تمت في وجود قيادات أمنية كما تم تصوير الأحداث، ورغم ذلك حدث حملة تشهير للمدعيات في وسائل الإعلام الحكومية في محاولة للضغط عليهن، رغم أن عدد الصحفيات اللاتي تم التعدي عليهن في ذلك اليوم كان كبير، إلا أن عدد قليل منهن مَن ذهب للنيابة لتقديم شكوى، وعدد أقل هو مَن استكمل القضية بسبب الضغوط التي تم ممارستها في حينها".

وتأتي أهمية، إحياء ذكرى الأربعاء الأسود، في إعادة مطالبة الحكومة المصرية، بتنفيذ حكم اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، الصادر في 14 مارس 2013، بإعادة فتح التحقيق في واقعة الأربعاء الأسود ومحاسبة الجناة، وكذلك تعويض الناجيات الأربع اللاتي قُدمت الدعوى باسمهن، بمبلغ مالي قدره 57 ألف جنيه.

فيما يأتي رد الحكومة أمام اللجنة الإفريقية، مستندًا إلى أعذار مثل سقوط الدعوى بالتقادم، فإذا كان من الصعب إعادة فتح التحقيق، فهذا غير مبرر لعدم اعتذار الحكومة المصرية للضحايا.