القضاة والإعلام.. ما بين حق النقد والواقع (تقرير)
June 8th, 2017


cover 2

تعرض كلًا من وائل الإبراشي، ومحمد الغيطي، مقدما برنامجي توك شو، إلى الاتهام بالتأثير على الرأي العام وسير التحقيق في القضية المتهم فيها المستشار بشاري البطراوي، بقتل الشاب مؤمن سعد أغا (23 سنة)، وذلك أمام نيابة استئناف القاهرة.

تعود أحداث الواقعة إلى أوائل شهر مايو 2017، حين توجه القتيل، إلى العقار الذي يقيم فيه المستشار البطراوي، لتوصيل خطيبته إلى منزلها، والتي كانت في زيارة إلى صديقة لها.

وقالت "بوسي"، خطيبة القتيل، إنه عقب نزولها من العقار، فوجئت بالقاضي يسألها: "كنتي بتعملي إيه فوق وعند مين"، مشيرة إلى أنها رفضت الإجابة لتحدثه بشكل غير لائق، وفور وصول خطيبها ووقوع مشادة كلامية لاتهامه إياها بالسرقة، أخرج القاضي سلاحه الشخصي، وأطلق أعيرة نارية تجاه خطيبها، مردداً "أنا قاضي وأنا لازم أعرف هي كانت بتعمل إيه"، على حد وصفها.

وبعد الواقعة، استضاف الإعلامي، وائل الإبراشي، خطيبة القتيل، حيث تم سرد تفاصيل الواقعة، ما اعتبره شقيق المتهم، وهو مستشار أيضًا، تأثيرًا على سير التحقيقات، ما دعاه لتقديم بلاغ ضد الإبراشي، وكذا ضد محمد الغيطي.

إعلاميان أمام النيابة

وأكد الإبراشي، خلال التحقيقات التي جرت معه برئاسة رامي جبة، رئيس النيابة، أنه استهدف التأكيد على أن القانون يطبق على الجميع، وأن المستشار الذي قتل مواطنًا ليس فوق القانون إلى جانب طرح تساؤلات، حول كيف يتحول قاض له مكانته في المجتمع لقاتل بسبب مشاجرة تافهة وليدة لحظة كان يمكنه أن يواجه أي مشكلة بالقانون؟، وأن الهدف من الحلقة هو مناقشة القضية من الزاوية الاجتماعية دون أي تأثير على مجريات التحقيق، أو أي موقف مسبق تجاه أطراف القضية.

وردًا على الأسئلة والاتهامات التي وجهتها النيابة، قال الغيطي إنه لم يقصد التأثير مع أو ضد المتهم سواء على جهات التحقيق أو غيرها، موضحًا أن انفعالاته وما صدر عنه من ألفاظ وعبارات ناتجة عن تأثره بالضرر الواقع على أسرة المجني عليه، خاصة بعد المداخلة التي أجراها شقيقه، وأن كل لفظ صدر عنه يقصد به السلوك المؤدي لارتكاب الجريمة.

ومن الوقائع التي سلط عليها الضوء، حين تم اتهام رئيس القسم القضائي بجريدة الفجر، طارق حافظ بخدش رونق القضاء، حيث قال طارق، رئيس القسم القضائي بجريدة الفجر، لـ"المرصد"، في وقت سابق، إنه نشر تحقيق بخصوص فساد في تعيينات دفعة قضاة 2014، موضحًا أنهه تم تعيين ضابط سابق، اتهم بالتعذيب في الأقصر، وتعيين عدة من أبناء وأقارب لقضاة، وهو ما اجتمعت على إثره الجمعية العمومية للمجلس الأعلى للقضاء، وقررت فصل الضابط المتهم بالتعذيب، بسبب عدم صحة التحريات الأمنية التي على أساسها تم تعيينه.

وأفاد بأنه تم الضغط عليه بكل الوسائل للإدلاء بمعلومات عن المصادر، التي قدمت له المخالفات في دفعة القضاة، ولم يتطرق التحقيق في متن ما نشره، إلا في جملتي "توريث القضاء" و"كعكة النيابة"، اللتان بهما تم اتهامه بخدش الرونق العام للقضاء.

وهنا نتسائل، هل هناك ترصد من القضاء بالصحافة، ومحاولة لتكميم ومنع أي نقد لأي سلوك خارج عن المألوف يقع من فرد من الجهات القضائية ؟.

هل للقضاء وأفراده حصانة ضد النقد؟

"لا تعليق على أحكام القضاء"، مقولة طالما رددت خلال السنوات القليلة الأخيرة، عند صدور أي صوت ينتقد حكم أو فعل يصدر من أي جهة قضائية أو أحد أعضائها.

نشرت "مصر العربية"، في وقت سابق ما وصفته بـ "أصل العبارة"، وناقشت مدى صحتها، حق مشروع
المستشار أحمد سليمان، وزير العدل السابق، قال "إن التعليق على أحكام القضاء ومناقشتها بالاعتراض عليها أو نقدها وما تضمنته من إثبات وقائع أو تقرير اجتهادات، سواء كان ذلك من قبل متخصصين أو غيرهم من كتاب الصحف أو عبر وسائل الإعلام المختلفة، لا يوجد فيها حكم أو نص دستوري".

وأضاف: "قد يراها بعض المتخصصين مخالفة تستوجب العقوبة، بينما يراها آخرون وأنا منهم حقا مشروعا وجزءا لا يتجزأ من حرية التعبير وإبداء الرأي.. وإن كان القضاء  محترما مصونا إلا أنه غير معصوم ويخضع للنقد والنقاش".

في السياق ذاته، يرى الدكتور محمود كبيش، عميد كلية الحقوق بجامعة القاهرة سابقا، أنه لا يوجد قانون أو نص دستوري ينص بمنع التعليق على أحكام القضاء أو يشير إلى أن هناك عقوبة أو مخالفة تستوجب العقاب على من يقوم بالتعليق على الأحكام الصادرة من أي جهة قضائية، وحول أصل العبارة الشهيرة قال :"لا أصل لها".

وأضاف كبيش التعليق على أحكام القضاء لا يجوز إذا كان من شأنه التأثير على سير العدالة أو المساس باستقلال القضاء في قضية منظورة لم يبت فيها بحكم.

وتابع أنه لا يجوز بأي حال أن يتضمن التعليق على أحكام القضاء الطعن في نزاهة القضاء أو استقلاله أو نزاهة القضاة واستقلالهم أو التجريح الشخصي لهم، فهذه جريمة يعاقب عليها  القانون، أو التحريض على عدم الامتثال لأحكام القضاء، مما يؤدي إلى الفوضى واختلال الأمن.

التعليق النزيه ليس جريمة

لا يوجد في الدستور المصري، ما يجرم التعليق النزيه على أحكام القضاء، أو التعرض لقضايا قيد التحقيق، ما لم يصدر بها قرار بحظر النشر حيث تنص المادة 186 من قانون العقوبات بأنه:
"يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز 6 أشهر، وبغرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيه، ولا تزيد على 10 ألاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أخل بطريقة من الطرق المتقدم ذكرها بمقام قاض أو هيبته أو سلطته في صدد دعوى". 

والطرق المذكرة بالمادة، يقصد بها كل ما يتم عن طريق النشر –الصحافة والاعلام-.. مما سبق يتضح بأن العقوبة تقع في حالة الإخلال بمقام قاض أو هيبته أثناء نظر الدعوى وبسببها، وما قام به الإعلاميين كان بصدد متهم وليس من يقوم بالتحقيق.

وكذلك تنص المادة 187، من قانون العقوبات على:

"يعاقب بنفس العقوبات، كل من نشر بإحدى الطرق المتقدم ذكرها أمورًا من شأنها التأثير في القضاة الين يناط بهم الفصل في دعوى مطروحة أمام أي جهة من جهات القضاء في البلاد، أو في رجال القضاء أو النيابة أو غيرهم من الموظفين المكلفين بتحقيق أو التأثير في الشهود الذين قد يطلبون لأداء الشهادة في تلك الدعوى، أو في ذلك التحقيق، أو أمورًا من شأنها منع شخص من الإفصاح بمعلومات لأولي الأمر، أو التأثير في الرأي العام لمصلحة طرف في الدعوى أو التحقيق أو ضده".

مفاد ما سبق أن المادتين فقط التى ذكرت التأثير على سير الدعوى والمقصود بها الإخلال بمقام سلطة التحقيق –القاضي- أو التأثير على الرأي العام أي أن سرد وقائع الجريمة دون مزايدة لا

يعتبر تأثيرًا على الرأي العام أو سلطة التحقيق، حيث أن المجني عليه أو أحد أفراد أسرته، أدلى بتلك المعلومات التي لديه أمام سلطة التحقيق ولا يوجد بها اختلاق للتأثير على الرأي العام.

ولم يجرم القانون النشر إلا إذا صدر قرار بحظر النشر أو كانت الجلسات والتحقيقات سرية، والأصل هو الإباحة حال عدم وجود نص قانونى يجرم الفعل.

رؤية المرصد

منذ سنوات طويلة وعت الدول الديمقراطية أهمية مبدأ الفصل بين السلطات لإقامة دولة القانون ووعت كذلك لأهمية دور وسائل الإعلام كرقيب علي عمل السلطات الثلاث، وعين للمواطنين في كل مكان وزمان هم غير متواجدين بهما، ورجال السلطة القضائية ليسوا بمنأى عن الخطأ ولا يعيب وسائل الإعلام أبدًا أن تتصدى لمناقشة تصرفات رجال السلطة القضائية التي يقدمون عليها كمواطنين قبل أن يكونوا قضاة، في ضوء القواعد القانونية السارية فالدول المحترمة لا تعرف مواطنين فوق القانون أي كان السلطة التي ينتمون إليها وبالتالي فمطالبة وسائل الإعلام باستثناء فئة ما من المواطنين من مظلة تغطيتهم بسبب انتماء هؤلاء المواطنين إلى سلطة معينة هو أمر غير مقبول ولا يستند إلى قانون بل على العكس يرفضه مبدأ المساواة بين المواطنين.

في النهاية يوصي مرصد "صحفيون ضد التعذيب"، جميع سلطات الدولة وعلى رأسها السلطة القضائية باحترام وسائل الإعلام، طالما التزمت بالأطر القانونية الحاكمة، والتعاون معها لما فيه صالح سير العدالة ووصالح المجتمع وكذا احترام حق المواطنين في المعرفة وحق حرية تداول المعلومات، وهي جميعها حقوق دستورية نص عليها، بوضع الدستور المصري.

كما يوصي المرصد زملاءنا من الصحفيين بالتزام الدقة وقواعد العمل المهني، في كل ما ينشرونه من أخبار وتقارير وغيره، سواء تعلق الأمر برجال السلطة القضائية أو بغيرهم.