المسئولية الجنائية لرؤساء التحرير (ورقة بحثية)
June 4th, 2017


new coverم

"العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون".. المادة 95 من الدستور المصري.

كان الدستور المصري صريحًا في المادة السابقة في إقرار مبدأ قانوني هام جدا، وهو مبدأ شخصية الجريمة وشخصية العقوبة، بالرغم مما يتصف به هذا المبدأ من العمومية والشمول فهو جزء من فكرة سيادة القانون ذاتها وكذلك اعتلاه لقمة الهرم التشريعي بكونه مادة دستورية حاليًا، إلا أن مسألة مسئولية رئيس التحرير جنائيًا عما ينشر في صحيفته شهدت طوال السنوات الماضية إهدار بالغ لهذه القاعدة، فرئيس التحرير قبل عام 2006 كان يعامل معاملة الفاعل الأصلي للجريمة إذا ما شكلت المادة المنشورة في جريدته جريمة جنائية.

ورغم أن هذا النص الوارد في المادة 195عقوبات، والتي تم إلغاؤها بموجب القانون 147 لسنة 2006 وتم إقرار مادة جديدة وهى المادة 200 مكرر (أ)، والتي جعلت مسئولية رئيس التحرير، مسئولية تضامنية بعد أن كانت مسئولية مطلقة، إلا أن النص الجديد أيضًا لا يتوافق بالقدر الكافي مع متطلبات قاعدة شخصية الجريمة وشخصية العقوبة.

في هذه الورقة نحاول استعراض التطور التشريعي الذي لحق بفكرة المسئولية الجنائية لرئيس التحرير ومدي تأثير ذلك على فكرة حرية الصحافة بشكل عام.

* قبل 2006 .. لا حماية لرئيس تحرير من الإدانة :
نص قانون العقوبات على فكرة المسئولية الجنائية  لرئيس التحرير في المادة 195، والتي تم إلغاؤها بموجب القانون 147 لسنة 2006، وتم إقرار مادة جديدة وهى المادة 200 مكرر (أ)، والتي تنص على: 

"مع عدم الإخلال بالمسئولية الجنائية بالنسبة لمؤلف الكتابة أو واضع الرسم أو غير ذلك من طرق التمثيل، يعاقب رئيس تحرير الجريدة أو المحرر المسئول عن قسمها الذي حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير بصفته فاعلًا أصليًا للجرائم التي ترتكب بواسطة صحيفته".

ومع ذلك يعفى من المسئولية الجنائية:
1- إذا اثبت أن النشر حصل بدون علمه، وقدم بدء التحقيق كل ما لديه من المعلومات والأوراق للمساعدة على معرفة المسئول عما نشر .
2- أو إذا ارشد في أثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة، وقدم كل ما لدية من المعلومات والأوراق لإثبات مسئوليته وأثبت فوق ذلك أنه لو لم يقم بالنشر لعرض نفسه لخسارة وظيفته في الجريدة أو لضرر جسيم أخر". 

ويتضح من النص السابق مدي الغبن الواقع علي رؤساء التحرير، والذي يعاملهم كفاعلين أصليين في جريمة لم يرتكبوها، فالمسئولية هنا مسئولية مطلقة عن الفعل المشكل للجريمة الجنائية، ولا يوجد إعفاء من المسئولية إلا إذا توافرت حالتين  حددتهما المادة السابقة على سبيل الحصر.

الحالة الأولى: إذا اثبت أن النشر حصل بدون علمه وقدم بدء التحقيق كل ما لديه من المعلومات والأوراق للمساعدة على معرفة المسئول عما نشر .
وفي حقيقة الأمر فإن توافر الشروط اللازمة للقول بقيام هذه الحالة المانعة لعقاب رئيس التحرير أمر في غاية الصعوبة، فكيف يثبت رئيس التحرير أن النشر تم بدون علمه وهو المسئول الأول داخل الجريدة عن إصدار الأمر بالنشر؟.

الحالة الثانية: إذا أرشد أثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة، وقدم كل ما لدية من المعلومات والأوراق لإثبات مسئوليته وأثبت فوق ذلكأانه لو لم يقم بالنشر لعرض نفسه لخسارة وظيفته في الجريدة أو لضرر جسيم أخر.

وفي هذه الحالة يلجأ المشرع لفكرة الإكراه المعنوي كسبب لمنع معاقبة رئيس التحرير فالضغوط والتحديدات التي من الممكن أن تمارس على رئيس التحرير بفقد مصدر رزقه، أو التهديد بالإيذاء البدني، قد تدفعه للسكوت على نشر مادة صحفية تنتهك القواعد القانونية.

ونظرًا لما يحتويه النص القانوني السابق من عوار، ومخالفته لقاعدة جوهرية في نظرية سيادة القانون، قضت المحكمة الدستورية  بجلستها المنعقدة السبت أول فبراير سنة 1997، بـ:
أولًا: عدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 195 من قانون العقوبات، من معاقبة رئيس تحرير الجريدة أو المحرر المسئول عن قسمها الذي حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير بصفته فاعلًا أصليًا للجرائم التي ترتكب بواسطة صحيفته. 

ثانيًا: بسقوط فقرتها الثانية.

وفضلًا عن استناد المحكمة الدستورية في حكمها السابق إلى مخالفة النص القانوني لقاعدة شخصية الجريمة وشخصية العقوبة، فإن المحكمة بذلك سايرت نهجًا مستقرًا في أحكام القضاء الدستوري المصري، الذي يعلي من قدر الحرية الشخصية وينادي بالتقنين التشريعي الواضح لفكرة الجرائم.

فنجد مثالًا، أحد أحكام المحكمة الدستورية، نص على: "... وحيث أن الدستور أعلى قدر الحرية الشخصية، فاعتبرها من الحقوق الطبيعية الكامنة فى النفس البشرية، الغائرة في أعماقها، والتي لا يمكن فصلها عنها، ومنحها بذلك الرعاية الأوفى توكيدًا لقيمتها، وبما لا إخلال فيه بالحق في تنظيمها، بمراعاة أن القوانين الجنائية قد تفرض على هذه الحرية ـ بطريق مباشر أو غير مباشرـ  أخطر القيود وأبلغها أثرًا، ويتعين  بالتالي أن يكون إنفاذ القيود التي تفرضها  القوانين على الحرية الشخصية، رهنًا بمشروعيتها الدستورية، ويندرج تحت ذلك، أن تكون محددة بصورة يقينية لا التباس فيها ". - دستورية عليا جلسة 15 يونية 1996 القضية رقم 49 لسنة 17 قضائية دستورية)

* ما بعد 2006 ... لا يزال رئيس التحرير في دائرة التهديد:
صدر القانون 147 لسنة 2006 بإلغاء بعض مواد القانون وإضافة بعضها، فتغير الوضع القانوني لفكرة المسئولية الجنائية لرئيس التحرير. حيث ألغي القانون 147 النص السابق، وهي المادة 195 عقوبات وأضيف/ نص المادة المادة 200 (أ) مكرر، حيث نصت تلك المادة على:

"يكون الشخص الاعتباري ( المؤسسة الصحفية) مسئولًا بالتضامن مع المحكوم عليه من العاملين لديه عن الوفاء بما يحكم به من التعويضات في الجرائم التي ترتكب بواسطة الشخص الاعتباري، من الصحف أو غيرها من طرق النشر ويكون مسئولًا بالتضامن عن الوفاء بما يحكم به من عقوبات مالية إذا وقعت الجريمة من رئيس التحرير أو المحرر المسئول.
وتكون مسئولية رئيس التحرير أو من يقوم مقامه في الإشراف على النشر، مسئولية شخصية ويعاقب على أي من الجرائم المشار إليها في الفقرة السابقة بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تجاوز عشرة آلاف جنيه وذلك إذا ثبت أن النشر كان نتيجة إخلاله بواجب الإشراف".

و من جانبنا نري أنه على الرغم من التحسن الذي لحق بمسئولية رئيس التحرير الجنائية، واقتصار فكرة المسئولية على العقوبات المادية فقط، دون إطلاق فكرة العقاب بلا قيد الآن، إن المادة السابقة مازالت مشوبة بعيب مخالفة قاعدة شخصية العقوبة، وشخصية الجزاء، وكذا التحايل على حكم المحكمة السابق الإشارة إليه بإلغاء المادة 195 عقوبات.

فالأصل أن تكون هناك علاقة مادية بين الجريمة والسلوك الإنساني، الصادر من شخص المسئول عنها، فلابد أن يساهم الجاني بفعله الشخصي  فى الجريمة، وأن تتوافر علاقة السببية بين فعل المساهمة والنتيجة الإجرامية التي يعتد بها الشارع المصري، في التجريم والعقاب، بمعنى أن يكون رئيس التحرير فعليًا قام بجمع المعلومات أو نشرها مع علمه بأن الخبر سيسائل عنه جنائيًا.

بالإضافة إلى أن ظاهر النص الذي يوضح أن إخلال رئيس التحرير عن الإشراف، هي مسئولية شخصية، إلا أن النص في الفقرة الثانية، أكد أنه مسئول عن الجرائم المرتكبة عن طريق الصحيفة -الشخص الاعتباري-  التي يرأس تحريرها.

مما يتنافى مع مبدأ شخصية العقوبة والمسئولية الشخصية، عن فعل الغير، ولا تُعرف إلا في القانون المدني فقط، حيث يعرف القانون المدني إلى جوار المسئولية عن الفعل الشخصي، المسئولية عن عمل الغير، ويلتزم الشخص فى هذه الحالة بتعويض الضرر الذي ينشأ من فعل هذا الغير.

ولكن هذه المسئولية ليس لها محل فى نطاق القانون الجنائي ، إذ لا يعرف هذا القانون إلا المسئولية الشخصية الخالصة، ولا يتصور أن يتهم شخص أو أن يقضى بإدانته في جريمة ليس فاعلاً فيها أو شريك، ففكرة المسئولية عن عمل الغير هي فكرة غريبة عن القانون الجنائي، لذلك لا يمكن تصورها في مسئولية رئيس التحرير عن أعمال الصحفيين بالجريدة.

وأيضًا تحميل الناشر مسئولية جزائية عن جريمة خاصة، مفادها إهماله في القيام بواجبه الذي يفرضه عليه القانون، لا عن الجريمة التي وقعت بطريق النشر، ووفقًا لهذه الفكرة يساءل مدير التحرير أو المحرر مسئولية جزائية عن جريمة خاصة، تختلف عن جريمة النشر ذاتها، وأساسها هو الإهمال الذي وقع منه في تأدية واجبات الوظيفة، فوظيفة التحرير تعني مراقبة كل ما يكتب وينشر، ووجود جريمة من جرائم النشر يعتبر قرينة على الإهمال.

ويمكن هنا أن نشير إلي أن المشرع المصري في صياغته للفقرة الأولى، من المادة 200 "أ" مكرر، على موقف القانون الفرنسي الجديد إزاء المسئولية الجنائية للأشخاص الاعتباريين حيث أن المشروع الفرنسي، استحدث في أحد مواده عام 1992، فكرة المسئولية الجنائية للأشخاص الاعتباريين عن الجرائم التي ترتكب لحسابهم بوساطة أجهزتهم أو ممثليهم فيما عدا الدولة, فتم استبعادها تماشيًا مع النهج العام لهذه المسؤولية.

وبالرغم من أن القانون الفرنسي أعفى المؤسسات الحكومية من تلك المسئولية، إلا أن القانون المصري لم يعفيها حيث ان رئيس التحرير يساءل وإن كانت الجريمة المرتكبة عن طريق المؤسسة الصحفية القومية التي يعمل بها.

وإذا وضعت مقارنة مابين المادة 195 الملغاة، والمادة 200 أ مكرر، والتي سنها المشرع في القانون 2006 نجد بأن العقوبة اتخذت مسارًا آخر، تم تحديدها بألا تتعدى الغرام.. بذلك رئيس التحرير لا تقع عليه عقوبة حبس، إلا إذا كان فاعلًا أصليًا، وفي الجرائم المنصوص عليها بالحبس وبعد التعديلات التي صدرت بالقانون رقم 147 لسنة 2006، لا يوجد حبس في جرائم النشر، إلا وقت الحرب فقط.

* الآداب العامة كذريعة لحبس رؤساء التحرير:

نصت مواد قانون العقوبات في المادة رقم 178 على: "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيه، ولا تزيد على 10 آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من صنع أو حاز بقصد الإتجار أو التوزيع أو الإيجار أو اللصق أو العرض.. مطبوعات أو محفوظات أو رسومات أو إعلانات أو صورًا محفورة أو منقوشة، أو رسومات يدوية أو فوتوغرافية أو إشارات رمزية أو غير ذلك من الأشياء أو الصور، عام إذا كانت منافية للآداب العامة".

ومادة رقم 178 مكرر: "إذا ارتكبت الجرائم المنصوص عليها في المادة السابقة عن طريق الصحف، يكون رؤساء التحرير والناشرون مسئولين كفاعلين أصليين بمجرد النشر، وفي جميع الأحوال التي لا يمكن فيها معرفة مرتكب الجريمة يعاقب بصفتهم فاعلين أصليين، الطابعون والعارضون والموزعون".

ونجد هنا أن المشرع، فتح باب جديد لمعاقبة رؤساء التحرير في جرائم النشر حيث يعاقب رئيس التحرير بصفته فاعلًا أصليًا اذا ما احتوي صيحفته على مواد "منافية للآداب العامة" ولا يخفي على أحد ما في هذا المصطلح من شيوع وعدم دقة وبالتالي يسهل استغلاله للملاحقة القضائية لرؤساء التحرير، وذلك فضلًا عن شبهة عدم الدستورية التي تشوبه لمخالفته لمبدأ شخصية الجريمة وشخصية الجزاء، ومع ذلك رفض المحكمة الدستورية العليا، في جلستها المعنقدة بتاريخ 3 يونيه 2017، طعنًا بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 178 مكرر من قانون العقوبات السالف بيانها وهي بذلك حصنت هذا النص من الطعن عليه مجددًا ليبقى سيفًا مسلطًا علي رقاب رؤساء التحرير".

* جدوى المسئولية الجنائية لرئيس التحرير:
لا جدال على فكرة المسئولية الأدبية والأخلاقية لرئيس التحرير عما ينشر في الجريدة التي يعمل بها، ولكن فكرة المسئولية القانونية الجنائية غير المدنية، بحاجة إلى وقفة من المشرع المصري، فرئيس التحرير يقوم بالتأشير كونه السلطة التحريرية الأعلى في الجريدة دون البحث واقعيًا عن مدى دقة كل معلومة تنشر في الجريدة، فضلًا عن امتلاك الصحف لبوابات إلكترونية يتم النشر عليها بشكل لحظي يستحيل معه فكرة الإشراف المباشر لمدة 24 ساعة لكل ما ينشر، كما أن الوقت لا يسعفه كفرد للبحث وراء عشرات الموضوعات التي تنشر يوميًا للتأكد من صحتها، وذلك بخلاف التحقيقات الضخمة والتي يجب مراعاة معايير معينة عند نشرها.

والأصح بالطبع هو التوسط ما بين إسناد مسئولية مباشرة إلى رئيس التحرير وبين إعفاءه من فكرة التقصير المترتبة على تقصيره في أداء دوره الإشرافي، فإذا أردنا إسناد المسئولية على رئيس التحرير فهي تكون في حدود علمه بالجريمة، ومعرفته بها وعدم منعها كمعرفته بأن المعلومات مختلقة أو غير صحيحة  وليس مطلقًا حيث أن المادة 200 أ مكرر، بالرغم من وضوح فقرتها الأولى إلا أن تفسير الفقرة فضفاض ولا يمكن الاتفاق على حكم معين عليها سوى الغرامة.

فإذا اتجه المشرع للأفضلية.. فهو حذف جملة: "...ويعاقب على أي من الجرائم المشار إليها في الفقرة السابقة"، حيث أن هذه العبارة تجعل رئيس التحرير مسئولًا عن أي جريمة ترتكب بواسطة الصحيفة والاكتفاء بالغرامة، نتيجة للإخلال بحق الإشراف فقط.

المصادر

  1. قانون رقم 147 لسنة 2006.
  2. الدستور المصري الحالي، الصادر عام 2014.
  3. قانون العقوبات المصري.
  4. المسئولية الجنائية والركن المعنوي للجريمة في القضاء الدستوري، أ/ أشرف توفيق شمس الدين - جامعة بنها.
  5. المستشار مصطفى  مجدي، التعليق على قانون العقوبات، نادي القضاة، القاهرة .
  6. الدكتور شريف كامل، تعليقات على قانون العقوبات الفرنسي، مكتبة دار النهضة،  طبعة 2006.
  7. حكم المحكمة الدستورية الصادر في 3 يونيه 2017.