بعد اقتحام النقابة.. الحريات الصحفية فى مواجهة السياسات الأمنية (ورقة بحثية)
May 1st, 2017


18191627_1891052511108032_144287_n

 

مقدمة :

التعامل الأمني مع الصحفيين خلال عام 2016، كان بمثابة ظاهرة مثيرة للاهتمام حيث تصدرت وزارة الداخلية، قائمة الجهات المنتهكة للصحفيين وذلك لقيامها بارتكاب 309 انتهاك، من إجمالي 727 انتهاك للحريات الإعلامية خلال عام 2016، ومن المثير للاهتمام أيضًا قيام علاقة تشبه الخصومة بين الصحفيين - المصورين تحديدًا- وبين قوات الأمن أثناء تغطيتهم للفعاليات والترصد لهم والتضييق عليهم في تغطية الأحداث بشكل واضح، إلى أن تصاعدت الخصومة لتكون بين كيان نقابة الصحفيين نفسه ووزارة الداخلية.

وفي سبيل دراسة وتحليل أبعاد هذه الظاهرة، سوف نستعرض أهم الأحداث التي تجلّت فيها هذه الخصومة، والسمات العامة للتعامل الأمني مع الصحفيين، وذلك بموجب التسلسل الزمني لملاحظة وتيرة تصاعد الاحتقان والخصومة بين الطرفين، من أجل الوقوف على مشهد عام والخروج بتوصيات تعمل على إصلاح هذا الوضع، قبل أن يتفاقم ويصبح أكثر خطورة.

 

أولًا: الترصد الأمني للصحفيين في أعقاب أزمة "تيران وصنافير"

فجرت اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والتي تم توقيعها في يوم 8 أبريل 2016، العديد من الأزمات على مستويات متعددة وحركات الرأي العام؛ وذلك لأنه بموجبها تنازلت مصر عن سيادتها على جزيرتي تيران وصنافير؛ ما أعقبه احتجاجات شعبية بعدد من محافظات الجمهورية، وبينما كان الصحفيون والمصورون يؤدون عملهم في تغطية وتوثيق تلك الاحتجاجات؛ ظهر جليًا الترصد الأمني بشكل ممنهج ضدهم، لاسيّما خلال "جمعة الأرض" 15 أبريل وتظاهرات 25 أبريل في نفس العام، بالتزامن مع ذكرى تحرير سيناء.

وبحسب التقارير الصادرة عن غرفة عمليات مرصد "صحفيون ضد التعذيب"، والتى رصدت الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيين خلال ذلك اليومين، سجل المرصد 36 انتهاكًا من الجهات الأمنية وحدها، وذلك في تظاهرات "جمعة الأرض" 15 أبريل، في 5 محافظات مختلفة وهي؛ القاهرة والجيزة والإسكندرية وبورسعيد والسويس؛ أما في تظاهرات 25 أبريل، تم رصد 97 انتهاكًا من الجهات الأمنية ضد الصحفيين، وهو رقم غير مسبوق للانتهاكات، لم يتم تسجيله من قبل خلال يوم واحد، منذ تدشين المرصد في 6 نوفمبر 2013.

 

ـ تحليل طبيعة وهدف الممارسات الأمنية بموجب شهادات ضحايا الانتهاكات من الصحفيين والمصورين

كان هناك شبه إجماع من جانب الضحايا من الصحفيين والمصورين على الترصد الأمني لهم بشكل محدد وخاص، إلى الحد الذي جعل أغلبهم يدّعي أن هناك خطة أمنية ممنهجة لملاحقة الصحفيين والمصورين، وفي النقاط التالية التي توضح السمات العامة لهذه الانتهاكات توحي بذلك أيضًا، على الرغم من أن الصحفيين تواجدوا بمسرح الأحداث لتأدية مهام عملهم لا لشيء آخر.

وبالرغم من تأكيدهم جميعًا أنهم صحفيين وقاموا بإبراز الهوية الصحفية، التي تثبت ذلك، وفقًا للمؤسسة الصحفية التي يعملون بها، إلا أن ذلك لم يمنع القوات الأمنية من التعدي عليهم -بحسب الشهادات بوحدة الرصد و التوثيق- وعلى الرغم أيضًا من أن قوات الأمن من المفترض أن يكون دورها الأساسي تحقيق الأمن وحماية المواطنين، التي يدخل في نطاقها الصحفي أثناء تأدية عمله.

1ـ الاستيقاف والتفتيش من الإجراءات الجنائية الشائكة، وقيّده المشرّع بقيود كثيرة تضمن عدم إساءة استعمال هذا الحق إلا في حالات معينة تحت إطار معين، وهو حق مخول لمَن يملك سلطة مأموري الضبط القضائي وليس لأي مواطن عادي؛ مما جعل هذا الأمر يفتح باب للتأويل كمبرر أو حجة لتفتيش المواطنين تحت مبدأ الشك والاشتباه، وخاصة لفئة الصحفيين الميدانيين أثناء قيامهم بمهام عملهم، وهو ما استغلته قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية كسلاح بارد في التعنت مع ممثلي وسائل الإعلام.

2ـ حالة العداء تجاه الكاميرات كانت السمة الأبرز للانتهاكات، أيًا كان نوع الانتهاك الموجود سواء استيقاف أو تفتيش أو احتجاز غير قانوني أو تعدي بالضرب، حيث يكون الاستيلاء على الكاميرات وتفقّد الصور ومسحها في بعض الأحيان -حتى لو كانت على الهاتف الشخصي- أولًا، ثم تبدأ المطالبة بتصريح التصوير والتهديد بالاحتجاز في حالة عدم وجود تصريح، على الرغم من أن الدستور يكفل في المادة 65 حرية التصوير؛ التي نصت على أن: "حرية الفكر والرأي مكفولة ولكل إنسان حق التعبيرعن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر".

فيما يعني أن التصوير حق مكفول لكل المواطنين عمومًا، وبالتالي الصحفي طالما لم ينتهك خصوصية الغير أو يقوم بتصوير منشأه عسكرية غير مصرح بتصويرها، وأن يلتزم بعدم نشر أو بث الدعوات العنصرية، أو الدعوات التي تنطوي على امتهان الأديان، أو الطعن في إيمان الآخرين، أو الدعوات التي تروّج للتمييز أو احتقار أي طائفة من طوائف بنص المادة 20 من قانون تنظيم الصحافة رقم 96 .

3ـ انتهاك الخصوصية وتفتيش الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي عنوة وبدون إذن؛ حيث يوجد أيضًا عدد كبير من حالات الانتهاك للخصوصية على إثر الاستيقاف والتفتيش؛ حيث صرح عدد من الضحايا "الصحفيين" بتعرضهم لتتفتيش هواتفهم المحمولة وتفقد وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بهم عنوة؛ لمعرفة آرائهم فيما يتعلق بقضية تيران وصنافير، أو سؤالهم شخصيًا في تعدي واضح للخصوصية وفي حرية الرأي.

ومن الناحية القانونية، فإن واقعة تفتيش الهواتف للأشخاص ومن ضمنهم الصحفيين والمصورين، تعد مخالفة صريحة للدستور، والذي يحظر تفتيش أي مواطن عادي، فضلاً على الاطلاع على اتصالاته ورسائله العادية أو الإلكترونية إلا بأمر قضائي، إذ نصت المادة (54) على أنه: "لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حرياته إلا بأمر قضائي مسبب، يستلزمه التحقيق"، بينما نصت المادة (57) على أن: "الحياة الخاصة حرمة وهي مصونة لا تُمس، وللمراسلات البريدية، البرقية، الإلكترونية والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة ولا تجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها إلا بأمر قضائي مسبب"، ومما يعد أيضًا انتهاكًا للحياة الخاصة  المكفولة دستوريًا.

 

ـ العنف وسياسة التخويف

"يعني ايه صحفي.. أنت هتخوفنا؟"، جملة ترددت من جانب قوات الأمن لأكثر من صحفي، بعدم كشفه عن هويته الصحفية، وحقه في التواجد والتغطية، وأن تُقترن الوظيفة بالخوف يعبر عن أن الأجهزة الأمنية لا تدرك الواقع، إلا من جانب الخوف والتهديد، وهو الأسلوب الذي عاهدوه في تعاملهم مع الصحفيين، ونظرتهم إليهم من جانب الأكثر قدرة على إثارة الذعر والترويع، وتدل أيضًا على مخاوفهم من نقل الحقائق بالقلم أو بالصورة.

 

ـ موقف نقابة الصحفيين

قدمت نقابة الصحفيين بلاغًا للنائب العام، بخصوص قيام وزارة الداخلية باستيقاف واحتجاز والقبض على عشرات الصحفيين، ومنعهم من الدخول إلى النقابة أو الخروج منها، في أعقاب أحداث 25 أبريل، وتم قيده تحت رقم 6253 لسنة 2016 بلاغات النائب العام، بتاريخ 28 أبريل 2016، لكن لم يتم التحقيق فيه.

كما قدمت بلاغًا آخر بخصوص الحصار الأمني حول نقابة الصحفيين ومنع الصحفيين والعاملين بالنقابة من الدخول والخروج، واتهمت الأمن باستجلاب مسجلين خطر للتعدي على الصحفيين بدنيًا ولفظيًا، ولم تتدخل قوات الأمن التي تحاصر النقابة أو تقم بدورها في حماية الأمن الخاص بالصحفيين؛ كمواطنين يتم الاعتداء عليهم، وتم قيده تحت رقم 6254 عرائض النائب العام بتاريخ 28 أبريل 2016.

 

ثانيًا: اقتحام النقابة

في تعدٍ سافر وغير مسبوق في تاريخ النقابة عبر 75 عامًا منذ إنشائها، اقتحمت قوات الأمن نقابة الصحفيين، يوم 1 مايو 2016؛ بغرض إلقاء القبض على عمرو بدر، رئيس تحرير موقع "بوابة يناير"، والمحرر بنفس الموقع، "محمود السقا"، بتهمة التحريض على خرق قانون تنظيم حق التظاهر، والإخلال بالأمن، ومحاولة زعزعة الاستقرار بالبلاد، بدعوى أن الصحفيين "مختبئين" داخل نقابة الصحفيين، للحيلولة دون تنفيذ قرار الضبط والإحضار الصادر بحقهم.

ونص بيان وزارة الداخلية، على أن الصحفيين: "قاما بتسليم أنفسهما طواعية"، نافية اقتحامها لمقر الوزارة ، على الرغم من تأكيد الصحفيين الذين شهدوا الواقعة بأنها كانت حالة اقتحام عنيف بعدد من أفراد الأمن، يفوق ما تم ذكره في البيان بأضعاف؛ الأمر الذي يعد انتهاكًا للمادة رقم 70 من قانون نقابة الصحفيين، والتي تنص على أنه: "لا يجوز تفتيش مقار نقابة الصحفيين ونقاباتها الفرعية أو ضع أختام عليها إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة، وبحضور نقيب الصحفيين أو النقابة الفرعية أو من يمثلهما"، إضافة إلى ما يمثله ذلك من اعتداء على حرمة نقابة مهنية، يحمي الدستور وضعها القانوني.

وعقب الاقتحام، حاصرت القوات الأمنية النقابة لمدة أسبوع، قامت خلاله بالتضييق على الصحفيين؛ سواء بالدخول أو الخروج من النقابة، وتقدمت نقابة الصحفيين ببلاغ إلى النائب العام بشأن اقتحام مبنى النقابة، وحصارها في 1 مايو 2016، تحت رقم 6380 عرائض النائب العام، بتاريخ 4 مايو.

 

ـ ردود الأفعال المحلية والدولية التي أدانت عملية الاقتحام

فجّر اقتحام النقابة حالة من الغضب والاستياء داخل الوسط الصحفي، ما دفع بعض المواقع الإخبارية للاحتجاب عقب الواقعة، فيما نددت أغلب الصحف بالاعتداء الغاشم على النقابة وحصارها، ورفعت بعض المواقع الإخبارية، شريطًا أسودًا، حدادًا على حرية الصحافة، فضلًا عن إعلان الصحفيين اعتصام مفتوح بمقر النقابة، مطالبين بإقالة وزير الداخلية، والتقدم باعتذار رسمي من رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، إضافة إلى الإفراج عن جميع الصحفيين المحبوسين في قضايا النشر.

ورفعت النقابة شعار: "لا لحظر النشر.. لا لتقييد الصحافة"، فيما أصدرت الجمعية العمومية للنقابة قرارًا بتاريخ 4 مايو 2016، بحظر نشر اسم وزير الداخلية، والاكتفاء بنشر صورته "نيجاتيف" فقط، وصولًا لمنع نشر كافة أخبار وزارة الداخلية، حتى إقالة الوزير.

أما على الصعيد السياسي، قامت الأحزاب السياسية بإعلان دعمها للنقابة ضد واقعة الاقتحام، مطالبين بفتح تحقيق حول الواقعة، وكان من بين هذه الأحزاب: "التحالف الشعبي الاشتراكي، ومستقبل وطن، والمصريين الأحرار، والجيل، والنور، والمصري الديموقراطي الاجتماعي"؛ حيث أصدر كلٌ منهم بيانًا يستنكر فيه ما آلت إليه الأمور بين الطرفين، وكذلك النقابات المستقلة التي أرسلت وفودًا إلى نقابة الصحفيين للتضامن معها، ولكن قوات الأمن منعتهم من الدخول.

وعلى الصعيد الحقوقي، أعلن الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، برئاسة الدكتور نجيب جبرائيل، أن: "الإجراءات التي قامت بها الشرطة من اقتحامها للنقابة والقبض على 2 من الصحفيين؛ هو إجراء باطل حتى لو كان مشفوعًا بإذن من النيابة العامة بضبط وإحضار الصحفيين المتهمين بخرق قانون التظاهر، وأنه يصدر صورة سيئة لمصر من الناحية الحقوقية، وأن تصرفات رجال الشرطة تسيء إلى سمعة مصر".

وأدانت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، برئاسة حافظ أبو سعدة، الممارسات الأمنية من اقتحام النقابة، إلى حبس الصحفيين، وإحالتهم للنيابة العامة، كما طالبت بتغييرات تشريعية في القوانين المنظمة للصحافة لتسمح بالمزيد من الحريات، كما استنكرت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، واقعة الاقتحام وطالبت بالإفراج عن الصحفيين والمعتقلين.

ولم يكن الحدث بمنأى عن الصعيد العربي والدولي؛ إذ أولت الصحف العربية اهتمامًا بالواقعة؛ نظرًا لكونها غير مسبوقة، وكان من بين تلك الصحف "البيان اللبنانية، ورأي اليوم الخليجية، واليمن اليوم"، فيما أعرب المرصد العربي لحرية الإعلام، عن صدمته البالغة من واقعة الاقتحام، كما تناولتها صحف ومواقع إخبارية دولية مثل "سي إن إن بالعربية"، و"الديلي ميل" البريطانية، والتي أشارت إلى أن مبنى النقابة كان من الأماكن القليلة المسموح بالتظاهر أمامها، في عده الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك.

كما أعرب الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون، عن قلقه البالغ إزاء اقتحام النقابة واعتقال صحفيين من داخلها، ونقلت قناة "الحرة" الأمريكية عن مصادر في وزارة الخارجية الأمريكية، قولها: إن الوزارة تتابع بقلق تطورات اقتحام قوات الأمن المصرية لنقابة الصحفيين واعتقال عضوين فيها"، كذلك أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه أيضًا من واقعة الاقتحام، داعيًا إلى إعادة النظر في قانون التظاهر والإفراج عن المعتقلين في قضايا الرأي.

 

ـ اتهام "قلاش والبلشي وعبد الرحيم" وإحالتهم للمحاكمة

وفي يوم الأحد 29 مايو 2016، استدعت نيابة وسط القاهرة، كلًا من يحيى قلاش، نقيب الصحفيين السابق، وخالد البلشي، وكيل نقابة الصحفيين السابق ورئيس لجنة الحريات السابق، وجمال عبدالرحيم، سكرتير عام النقابة، بتهمة إيواء مطلوبين أمنيًا ونشر أخبار كاذبة تتعلق باقتحام نقابة الصحفيين، وذلك بموجب القضية 8100 لسنة 2016؛ بناءًا على بلاغ من وزارة الداخلية.

وأصدر المرصد تقرير سردي وقانوني، خاص بهذه التهمة، يطرح فيه رؤيته بأن: "نقابة الصحفيين مكان يخضع لمؤسسات الدولة لا يمكن أن يكون مكانًا لإيواء مطلوبين أمنيًا، وأن تواجد الصحفيين داخل النقابة واعتصامهم فيها حق مشروع لهم، وأنها مؤسسة يقوم بإدارتها نقيب الصحفيين وليس ملكية خاصة كي تتم محاكمته جنائيًا، كما أنه انتفى العنصر الأساسي لجريمة إيواء الهاربين، وهو عدم العلم بمكان المتهمين".

والجدير بالملاحظة أن النيابة العامة لم تقوم بالتحقيق في البلاغات المقدمة من النقابة ضد وزارة الداخلية، لكنها استدعت قلاش، وعبد الرحيم، والبلشي للتحقيق في البلاغ المقدم من وزارة الداخلية.

ويجب التنويه بأن هذه ليست الدعوى الأولى المقدمة من وزارة الداخلية، ضد خالد البلشي، حيث قدم مساعد وزير الداخلية للشئون القانونية، بلاغًا للنائب العام في الرابع من أبريل 2016، برقم 2131 لسنة 2016، يتهمه فيها بنشر تدوينات مواقع التواصل الاجتماعي ، تحرض على قلب نظام الحكم، وتكدير السلم العام، وتشويه وزارة الداخلية.

وأصدرت النقابة، بيانًا يستنكر تضييق وانتهاك وزارة الداخلية، للحريات بشكل مستمر؛ فسحبت وزارة الداخلية البلاغ، وأكدت على أهمية الدور الذي تلعبه الصحافة، فيما اعترفت "الصحفيين"، من جانبها بأهمية وزارة الداخلية في الحفاظ على الأمن، وأنها مستعدة للتعاون مع الداخلية للخروج من حالة الأزمة والاحتقان.

 

ثالثًا: بريد خاطئ يكشف خطة الوزارة للتعامل مع أزمة النقابة

أرسلت وزارة الداخلية عن طريق الخطأ لمندوبي الصحف بريد إلكتروني؛ جاء به الخطة التي ستتبناها الوزارة للتصدي لتداعيات أزمة اقتحام النقابة، تضمن أن الهجوم على الوزارة على إثر الواقعة هو لتحقيق مكاسب انتخابية، وأنه "لا يمكن التراجع عن هذا الموقف؛ فالتراجع يعني أنه هناك خطأ حدث، وبالتالي لو كان هناك خطأ، فمن المسؤول ومن يجب محاسبته؟"، مشيرًا إلى أنه سيتم استثمار البيان الصادر من النيابة؛ لتأكيد الموقف من جانبهم.

وكشف البريد الإلكتروني المُرسل عن طريق الخطأ، أن الوزارة تنوي القيام بتصدير بعض الخبراء الأمنيين للإعلام، لتدعيم موقف الوزارة، في مقابل إضعاف التأييد الشعبي للنقابة بأنها تسعى إلى "أن تكون جهة فوق القانون لا يمكن محاسبة أعضائها".

ونلاحظ أن الخطاب هنا يركز بشكل كبير على الدفاع عما حدث؛ باستخدام شتى الطرق الممكنة، أي أنه خطاب دفاعي يحمل بين طياته اعتراف ضمني بأن الحدث جلل، وأنه تم بشكل خاطئ، ولكن يجب الدفاع وتحسين صورة الداخلية بإضعاف هيبة الطرف الآخر من خلال الإدعاءات الشائع استخدامها لذلك، ولكن الوزارة نفت هذه الخطة وادعت أن البريد الإلكتروني تم اختراقه وبه خلل فني، بينما لم يكتسب ذلك مصداقية لدى الصحفيين.

 

رابعًا: الحكم على قيادات النقابة

قضت محكمة جنح قصر النيل، السبت 19 نوفمبرالماضي، في قضية إيواء هاربين من العدالة، المرفوعة من جانب مساعد وزير الداخلية للشئون القانونية، ضد كلٍ من يحيى قلاش، وخالد البلشي، وجمال عبدالرحيم، رقم 8100 لسنة 2016، بالحبس عامين وكفالة مالية قدرها 10 آلاف جنيه؛ لوقف تنفيذ الحكم.

وعقب إصدار ذلك الحكم، أثيرت احتجاجات كبيرة داخل الوسط الصحفي، نظرًا لرمزية ذلك في التعدي على الحقوق والحريات الصحفية، خاصة أن السياق مشحون بالانتهاكات والاقتحامات والترصد للصحفيين، ليتم ختام كل ذلك بحكم بالحبس لنقيب الصحفيين السابق الذي كان في إطار عمله أن يطالب بالإفراج عن الصحفيين المحبوسين، وزيادة الحريات، ويبذل المساعي في محاولة توفير جو ملائم للصحفي ليعمل بحرية واستقلال بعيدًا عن المخاطر.

وأكثر ما زاد من حدة الاحتقان داخل الوسط الصحفي عقب الحكم، أنه صدر في ظل الانتهاكات المستمرة ضد الصحفيين واستمرار القبض عليهم أثناء تغطيتهم للأحداث والفعاليات والتعنت في الإفراج عن المحبوسين احتياطيًا من الصحفيين، رغم تجاوز بعضهم الحد الأقصى للحبس الاحتياطي المنصوص عليه في القانون بالإضافة إلى أن قرارات العفو الرئاسي الأخيرة لم تتضمن صحفيين، باستثناء صحفي واحد "محمد علي صلاح" مصور صحفي، و لم يكن على خلفية أداء عمله.

 

ـ إدانة حكم الحبس على قلاش، والبلشي، وعبد الرحيم، محليًا وعربيًا

محليًا: أعربت 17 منظمة حقوقية عن إدانتها للحكم، وأكدت أنه صفعة لحرية الرأي والتعبير وحرية الإعلام في مصر، ورسالة إرهاب لكل صاحب رأي مستقل، وصدمة لا تقل وطأتها عن جريمة اقتحام الشرطة لنقابة الصحفيين.

وعربيًا: أعربت 12 منظمة ومؤسسة حقوقية وصحفية عربية، عن أسفها وعميق انشغالها لاستمرار السلطات المصرية في تشديد الحصار على حرية الصحافة، وأدانت في البيان الحكم وطالبت أن تقوم السلطة القضائية بمراجعته "حتى لا يتحوّل القضاء في مصر إلى مجرد أداة عقاب في يد السلطة التنفيذية".

 

الاستئناف على الحكم

قضت محكمة جنح مستأنف قصر النيل، المنعقدة بمقر محكمة زينهم، السبت 25 مارس 2017، بقبول استئناف كلٍ من نقيب الصحفيين السابق يحيى قلاش، وعضو مجلس النقابة، جمال عبد الرحيم، ورئيس لجنة حريات الصحفيين السابق خالد البلشي، على حكم حبسهم بتهمة إيواء مطلوبين، شكلاً، وفي الموضوع إلغاء حكم أول درجة، والقضاء مجددًا بالحبس لمدة عام لجميع المتهمين مع الإيقاف لمدة ثلاثة سنوات تبدأ من تاريخه.

جاء الحكم في القضية الخاصة بقيادات نقابة الصحفيين بالحبس سنة، مع ايقاف التنفيذ لمدة 3 سنوات، بتفعيل وضع جديد للصحفيين، وهو تقييد حريتهم وان يظلوا تحت تهديد تنفيذ العقوبة في أى وقت لاحق.

-ماهو وقف التنفيذ؟

والذى يعنى وقف تنفيذ العقوبة فقط، بمعنى أن الحكم يعتبر حكمًا جنائسًا، ويسجل في صحيفة سوابقه حتى انتهاء فترة الوقف؛ لأن الهدف من إيقاف تنفيذ الحكم هو حماية الجاني وإصلاحه، وتطبيقًا للهدف الأسمى للقانون والشرع، وهو حماية أفراد المجتمع وإصلاحهم.

ويقصد بوقف التنفيذ على المحكوم عليه لفترة محدودة وبشروط معينة، حتى ارتأت المحكمة أن الجاني لن يعود إلى جرائم جديدة، ووقف تنفيذ العقوبة تنصرف أثاره إلى إجراءات تنفيذ العقوبة وعدم اتخاذها فإن كان الحكم بعقوبة سالبة للحرية لا تنفذ العقوبة وإن كان الحكم بغرامة فلا يطالب بآدائها.

فهو يشابه مع الذي لم يوقع عليه عقوبة والفرق أن الأول وضع له القانون شروط معينة خلال مدة معينة فإذا تحقق الشرط خلال المدة نفذت العقوبة، وهو عدم ارتكاب أي  جريمة أخرى وإذا لم يرتكب جريمة أخرى خلال تلك المدة فلا تنفذ العقوبة، ويعتبر الحكم كأنه لم يكن، وذلك طبقًا للمادتين 59 و58 من قانون العقوبات.

حدد المشرع هذه الشروط في مادة 55 عقوبات، في عبارات عامة: "إذا رأت من أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو عمره أو الظروف التي ارتكب الجريمة فيها، ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مخالفة القانون"، وما ذكره المشرع من ظروف المتهم، ما هو إلا على سبيل التمثيل وليس الحصر.

 

المادة 1434 من تعليمات النيابة العامة الباب 15، تنفيذ الأحكام تنص على :

– الأحكام الصادرة من محاكم الجنح والمخالفات الجزئية، لا تكون واجبة التنفيذ إلا بعد أن تصبح نهائية بانقضاء ميعاد المعارضة وميعاد الاستئناف دون رفعهما أو الفصل فيهما، إذا رفعا ويستثنى من ذلك الأحكام الآتية، فإنه يجب تنفيذها فورًا إذا كانت حضورية –أي صدر الحكم في وجود المتهم-، ولو مع حصول استئنافها.

أولًا: الأحكام الصادرة بالبراءة أو الحبس مع وقف التنفيذ.... إلى آخره.

فيكون هذا الحكم واجب التنفيذ، وقت ارتكاب المحكوم عليه أي جريمة أخرى، وإذا أراد المحكوم عليه السفر، عليه أن يحصل على إذن بذلك.

 

ونصت المادة 56 من قانون العقوبات على أنه :–

يصدر الأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة لمدة 3 سنوات، تبدأ من اليوم الذي يصبح فيه الحكم نهائيًا.

ويجوز إلغاؤه:

1- إذا صدر ضد المحكوم عليه في خلال هذه المدة حكم بالحبس أكثر من شهر، عن فعل ارتكبه قبل الأمر بالإيقاف، أو بعده .

2- إذا ظهر في خلال هذه المدة، أن المحكوم عليه صدر ضده قبل الإيقاف حكم كالمنصوص عليه في الفقرة السابقة، ولم تكن المحكمة علمت به.

ويتضح من النصوص القانونية المتعلقة بوقف تنفيذ العقوبة وإجراءاته، أن العقوبة تنفذ –الحبس، إذا ارتكب المحكوم عليه جريمة أخرى لاحقة أو صدر حكم ضده -قبل الأمر بوقف التنفيذ- ولم تحط المحكمة به علم.

فبذلك قد تأمر المحكمة بإيقاف قرار وقف التنفيذ أو إلغاؤه، فور علمها بالحكم السابق، وذلك طبقًا لنص المادة 57 من قانون العقوبات، مما يعنى أنه حكم تهديدي.

أي أنه في حالة توجيه أي تهمة للصحفيين الثلاثة والحكم عليهم فيها، يكون للنيابة العامة حق تقديم طلب لتنفيذ العقوبة الموقوف تنفيذها، وهي الحبس سنة، وهذا تهديد للصحفيين وقصف للأقلام .

خامسًا : حصار نقابة الصحفيين

لا تزال نقابة الصحفيين، تحت حصار الاجهزة الأمنية ومقيدة بالحواجز الحديدية للأمن في مشهد يحمل رمزية عن الوضع الحالي لحرية الصحافة، وخاصة بعد أن قضت الدائرة الأولى بمحكمة القضاء الإداري، بمجلس الدولة، برئاسة المستشار بخيت إسماعيل، نائب رئيس مجلس الدولة، في 7 مارس 2017، بعدم قبول الدعوى المقامة من علي أيوب المحامي، بصفته وكيلًا عن حسام السويفي، الصحفي بجريدة الفجر، التي حملت رقم ٦٧٧٣٢ لسنة ٧٠ قضائية.

واختصمت وزير الداخلية، ومدير أمن القاهرة بصفتهما، والتي يطالب بموجبها إلزام الداخلية بإزالة كافة الحواجز البشرية والحديدية من محيط نقابة الصحفيين، والشوارع المحيطة بها ،ومنع تعرض ضباط وأفراد الداخلية للصحفيين، وزائريهم، والاطلاع على هوياتهم قبل السماح بدخولهم للنقابة، أوأثناء خروجهم بالشوارع المحيطة بها، والمؤدية اليها.

 

سادسًا: ممنوع الاقتراب من الحصن الأمني

حركت وزارة الداخلية، دعوى ضد جريدة الدستور، وصحفيين بها، وذلك بعد نشرها أخبارًا وصفتها الوزارة بـ"الكاذبة"، تضمنت عدة عبارات من شأنها إهانتها –على حد وصف الوزارة- مثل "عودة بطش الداخلية.. وإهدار كرامة المواطنين"، و"انهيار جهاز أخلاقيًا وأمنيًا".

وكانت النيابة العامة اسندت للمتهمين بالقضية، التي تحمل رقم 5297 لعام 2015، عدة تهم أبرزها اشتراك المتهم الأول، ورئيس تحرير الجريدة، وصحفى بذات الجريدة، بالتحريض على نشر مقالات من شأنها إهانة وزارة الداخلية.

وكانت محكمة جنايات القاهرة -أول درجة- قضت غيابيًا بحبس رئيس تحرير الجريدة، وصحفي بالجريدة، بالسجن 3 أشهر، وإلزامهم بدفع غرامة مالية قدرها 20 ألف جنيه، بتهمة نشر أخبار كاذبة عن وزارة الداخلية.

وفى جلسة 10 يناير 2017، عارض المتهمين ليكون الحكم بتأييد حبس صحفي بالدستور 3 أشهر بتهمة نشر أخبار مهينة عن وزارة الداخلية، ولم تكن تلك القضية هي الوحيدة التى حركها النظام الأمنى .

فتم تم تحريك قضية نشر ضد موقع «البداية» ورئيس تحريرها، وصحفى بذات الجريدة، مطالبًة بتعويض مادي 50 ألف جنيه، عن أضرار تسببها نشر تقرير عن الأحراز داخل الوزارة.

وكانت "البداية"، أشارت إلى أن كل مهنة بها الصالح والطالح، وأوردت على لسان من نقل عنه التصريح نصًا: "جهاز الشرطة كأي جهاز أو مؤسسة يوجد بها الشريف ومعدوم الضمي، يحدث أحياناً دون استخدام وصف التعميم، أن يقوم أحدهم بسرقة أحراز تم نسيانها، أو لم يأتي بشأنها قرار من النيابة، سواء بإعدامها أو التصرف فيها بطريقة أو أخرى".

فاعتبر العنوان به تعميم، رغم أن التحقيق استعان بمصادر أخرى بينها الرد الرسمي، من وزارة الداخلية، ليصبح الصحفيين، أمام دعوى جديدة من شأنها الإضرار بهم.

وقضت محكمة جنوب القاهرة الابتدائية، الدائرة 10 مدني تعويضات، الاثنين 24 أبريل 2017، برفض الدعوى المقامة، ضد جريدة البداية ورئيس التحرير والصحفي، والتي طلب فيها بتعويض مادي 50 ألف جنيه، من كل متهم.

ورفض الدعوى يفيد بأنه لا يوجد أي خطأ يعاقب عليه الصحفيين، وإن ما قاموا به لا يعد عملًا إجراميًا.

 

ملخص المشهد ..

الصراع بين الداخلية والصحفيين، واضح ومتصاعد، إلى أن وصل مع كيان نقابة الصحفيين نفسه، ومن الخطر ترك حالة الاحتقان بين الطرفين تصل إلى ذروتها؛ خصوصًا أن كلًا منهما مؤسسات أساسية تشكل عصب الدولة، ولا يمكن أن ينكر أحد أو يهمّش دور أي منهما، ولذلك لابد من اتخاذ خطوات عملية لتحقيق حالة من الوفاق بين المصلحة الوطنية والصالح العام، وبالطبع لا يمكن تحقيق تلك الحالة، إذا استمرت الجهات الأمنية في نفس سياستها في التعامل مع الصحفيين، واستمرار انتهاك رموز الحريات الصحفية، سواء النقابة أو النقيب.

 

التوصيات..

1- إيمان الطرفين بأهمية الدور الذي يلعبه كل من الصحافة ووزارة الداخلية لبناء أساس من التفاهم، يساعد على اتخاذ التدابير التالية لحل الأزمة.

2- إزالة الحواجز البشرية والمعدنية من محيط نقابة الصحفيين، والتوقف عن الترصد الأمني لدخول وخروج الصحفيين من النقابة.

3- وضع وتنفيذ سياسة عامة من جانب وزارة الداخلية، لتحديد أسس ومعايير التعامل مع الصحفيين، تتضمن حمايتهم أثناء القيام بعملهم، بدلًا من التعنت ضدهم.

4- دورات تدريبية وتوعوية، للأجهزة الأمنية، تبني صورة عن أهمية دور الصحافة والصحفيين، وسبل حمايتهم أثناء تغطية الفعاليات، خاصة في مناطق الاشتباكات.

5- على الصحفيين الذين يتعرضوا لانتهاك من الجهات الأمنية، بتقديم بلاغات أو شكاوى، يتم التحقيق الفوري فيها، وذلك بمتابعة نقابة الصحفيين مع جهات التحقيق.

6- محاسبة وزارة الداخلية لأفرادها، حال صدور أي تجاوز في التعامل مع المواطنين بشكل عام، والصحفيين خاصة، أثناء عملهم، لتفادي تكرار أي انتهاكء، في إطار السياسة الأكثر رشادة في التعامل مع الصحفيين.

للاطلاع على نسخة PDF من الورقة البحثية من هنــــا