رضا هلال.. 14 عامًا من الاختفاء القسري (تقرير)
August 30th, 2017


الاختفاء القسري

عرفت الأمم المتحدة الاختفاء القسري بأنه، "يصل بعض الرجال ثم يقتحمون مسكن أسرة من الأسر، غنية كانت أم فقيرة، منزلاً كان أم سقيفة أم كوخاً، في مدينة أو في قرية، في أي مكان. إنهم يجيئون في أي وقت من النهار أو الليل، يرتدون ملابس عادية، أو زيا رسميا في بعض الأحيان، ولكنهم يحملون السلاح دائما. ثم ودون إبداء أية أسباب، أو إبراز أي أمر بالقبض، بل في كثير من الأحيان دون الإفصاح عن هويتهم، أو السلطة التي يأتمرون بأوامرها، تراهم يجرجرون واحداً أو أكثر من أفراد الأسرة إلى سيارة، مستخدمين العنف في هذه العملية عند اللزوم".

ووفقًا للإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، الذي اعتمدته الجمعية العامة في قرارها 133/47 المؤرخ 18 كانون الأول/ديسمبر 1992 بوصفه مجموعة مبادئ واجبة التطبيق على جميع الدول، فإن الاختفاء القسري يحدث عند "القبض على الأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم رغما عنهم أو حرمانهم من حريتهم على أي نحو آخر على أيدي موظفين من مختلف فروع الحكومة أو مستوياتها أو على أيدي مجموعة منظمة، أو أفراد عاديين يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو برضاها أو بقبولها، ثم رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم أو رفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم، مما يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون" (الديباجة).

اختفاء رضا هلال

اتهامات عديدة وجهت لجهات مختلفة، تحملها مسئولية اختطاف الكاتب الصحفي ومحرر جريدة الأهرام، رضا هلال، والذي اختفي في تمام الساعة الثانية والنصف ظهر يوم الاثنين 11 أغسطس 2003.

توجه أسامة هلال، شقيق الصحفي، إلى قسم السيدة زينب، لتحرير محضر، 4889 لسنة 2003 إداري/السيدة زينب، وبعد الكثير من التحريات الجناية، والتحقيقات الصحفية، وكل ما يعد اجتهادًا في كشف غموض حادث اختفاء الصحفي، مدير التحرير السابق لجريدة "الأهرام"، رضا هلال، مرت الذكرى الـ14 لاختفائه.

وقال أسامة، إنه في عام 2007 وردته أول معلومة عن الأستاذ رضا، حيث تواصل معه ضابط بأمن الدولة، وأعلمه بوجود الأستاذ داخل زنزانة انفرادية، بسجن وادي النطرون، وعلى إثرها تواصل مع النائب العام السابق، عبدالمجيد محمود، والذي رحب بمساعدته من خلال إجراء زيارة مفاجأة للسجن.

وعن اختفاءه، نقل عن عميد بوزارة الداخلية يدعى "ياسر الفقي"، قوله بأن اختفاء رضا هلال لم يستغرق سوى دقيقة ونصف الدقيقة، حيث وصل إلى العقار الذي يسكنه، والكائن بشارع قصرالعيني، وأنه خلال انتظار المصعد تم القبض عليه.

الأهرام.. تاج صاحبة الجلالة

نشرت جريدة الأهرام، في تحقيقاتها عن الواقعة، أن سائق الجريدة، أوصل الصحفي رضا هلال إلى منزله وانتظر حتى صعوده واطمئن على أنه بصحة جيدة، قبل أن يغادر.

واتهم شقيق "هلال"، 5 من المنتمين لمؤسسة الأهرام، بأنهم وراء تسليمه إلى خاطفيه، منهم سيدتين، و3 ذكور أحدهم دكتور بجامعة قناة السويس، وكان يكتب مقالات بالجريدة، وأن السيدتين، الأولى هي إلهام شرشر، زوجة وزير الداخلية الأسبق، حبيب العادلي، والثانية لم يذكر اسمها، وأكد أنها زوجة أحد المسئولين بقصر الجمهورية، إبان حكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وهم من لم يتم التحقيق معهم لارتباطهم برموز أمنية –على حد وصفه- خلال فترة حكم "مبارك"، وبالرغم من قيام ثورة يناير وتخلص العديد منهم من سلطاتهم ومناصبهم، لم يتم التحقيق معهم أو سؤالهم، حول ملابسات اختفاء رضا هلال.

خدعة الأمل

السيد هلال، شقيق الصحفي المختفي، صرح في لقاء تليفزيوني، أنهم لم يُعلموا باختفاء رضا إلى بعد مرور 48 ساعة، نافيًا الروايات التي تؤكد وصول شقيقه لمنزله واختطافه منه، وأنه اختطف في الفترة ما بين نزوله من مقر الأهرام في طريقه إلى المنزل.

وأكد أنه خلال الفترة من وقت اختطافه وحتى قيام ثورة يناير، كانوا يتلقوا مكالمات بشكل متكرر من أرقام مجهولة تدعي عملها بجهات أمنية، تؤكد لهم وجود رضا هلال على قيد الحياة، واحتجازه في مكان أو آخر، منها سجن برج العرب، وأخرى تؤكد احتجازه بمقر مستشفى الأمراض النفسية والعقلية، بالعباسية، تحت اسم وهوية مزيفين.

سر الاتصال التليفوني

تلقي رضا هلال على جهاز الاستقبال الآلي "آنسر ماشين"، مكالمة من سيدة تقول له:" ليه ده كله بقى، مبارك وعائلته وأنا معاهم، مكانش في داعي لكل ده، لا دي الطريقة ولا ده الأسلوب.. عيد مبارك، وكل سنة وأنت طيب، سلام باي باي".

وهي المكالمة التي اعتبرها كثيرون التهديد الأخير للصحفي رضا هلال، للتراجع عن مواقفه تجاه السلطة، وتحديدًا تجاه جمال مبارك، فقبيل اختطافه بأشهر قليلة، انتشرت شائعات عن لقاء دار ما بين الاثنين، في محافظة الإسكندرية، قال فيه رضا لجمال، أنه لا يصلح لإدارة شركة أو بنك ليدير دولة.

العداء القائم بين الاثنين، اتخذ منحى مختلف حين وجه "هلال" اتهامات أقسى وذات وقع أقوى لجمال مبارك، في الوقت الذي كانت تنأى غالبية الأقلام عن كتابة ما يغضب السلطة الحاكمة.

وبعد قيام ثورة يناير تم التحقيق مع إلهام شرشر، زوجة وزير الداخلية الأسبق، حبيب العادلي، فيما نسب إليها، من اتصالها بالصحفي، قبيل اختفاءه وتهديده.

وبمضاهاة الصوت وفقًا لخبراء بالإذاعة والتليفزيون، تم التأكد بأن صوت إلهام شرشر، والتي كانت تعمل في جريدة الأهرام عام 2003، هو نفس الصوت الذي اتصل هاتفيًا بالصحفي.

جمال مبارك.. الليلة الأخيرة

مساء الأحد 10 أغسطس 2003، جلس "هلال على طاولة بالنادي اليوناني، رفقة عدد من الأصدقاء، وكان النادي اليوناني وقتها ملتقى مميز للصحفيين وكبار الكتاب، ورواده من أبناء العمل السياسي والصحفي.

سعدالدين إبراهيم، مدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، تواجد بالنادي اليوناني في الليلة السابقة لاختطاف رضا هلال، وكشف أن رضا، تحدث كثيرًا حول جمال مبارك في هذه الليلة، وعن حصوله على معلومات تكشف تورط جمال مبارك في شراكات تجارية مع شركات "إسرائيلية"، خلال الفترة التي عاشها في لندن، كما وصفه بأنه "شاذ جنسيًا".

ومن ضمن ما أثير حول ملابسات اختفاءه، أنه ذهب إلى منتدى دافوس العالمي في الأردن في شهر يونيو 2003، وأنه تحدث كثيرا هناك عن جمال مبارك، وأن الترتيب لخطفه بدأ منذ هذه اللحظة.

قتل رضا هلال

نشرت جريدة صوت الأمة، في يونيه 2012، خبر بعنوان "شاهد من مكتب مبارك: حبيب العادلي قتل رضا هلال حرقًا في الجير الحي"، عامر غريب أحمد، ووصفته من المقربين لمحمد حسني مبارك، كوّنه أحد أعضاء مكتب المعلومات والمتابعة، التابع لمبارك، وأن مبارك لم يهتم بقضية "رضا هلال"، وأن  العادلي هو صاحب قرار قتل "مبارك".

وفي مداخلة هاتفية، لرئيس التحرير السابق لصوت الأمة، عبدالحليم قنديل، في لقاء تليفزيوني مع شقيق الصحفي رضا هلال، أكد وفقًا لمصادر "أهرامية"، بأن رضا هلال قتل يوم اعتقاله، لأنه كان يملك مستندات تثبت تورط جمال مبارك في "دعم الإرهاب الدولي".

وقال اللواء صلاح سلامة رئيس جهاز مباحث أمن الدولة، في الفترة التي اختفى فيها رضا هلال -عبر اتصال هاتفي– لقد بحثنا خلال فترة اختفائه عن خيوط ترتبط بالولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل فتأكدنا من عدم وجود شبهة تخص أيًا منهما، وفى اتصال آخر قال: "أبحث فى الأهرام عمن وراء اختفائه، ولا يوجد عندى كلام آخر"!!.

التنظيم السري لأمن الدولة

عقب اندلاع ثورة يناير 2011، واقتحام مقار جهاز أمن الدولة، التابع لوزارة الداخلية، سُربت العديد من المستندات والشهادات، وكان ضمن ما تم تسريبه مستندات حملت شعار "التنظيم السياسي السري"، وهو جهاز بوزارة الداخلية يتلقى تعليماته بشكل مباشر من وزير الداخلية.

وكتب في الشهادة المؤرخة بـ 12 أغسطس 2003، أي بعد يوم من اختطاف رضا، للعرض على وزير الداخلية:

"بخصوص التكليف رقم 118 بتاريخ 10/8/2003 تم تنفيذ التالي:

تم الاتصال بالمدعو رضا هلال هاتفيًا سعة 1520 وإبلاغه أن الضيف الذي ينتظره المدعو خالد شريف صدمته سيارة بجوار محل سكنه الكائن 34 شارع إسماعيل سري بالقصر العيني، وبناء عليه نزل المدعو رضا هلال مسرعًا وقبل أن يصل أول الشارع محل سكنه تم التصدي له بمعرفة رجال التنظيم وإفقاده الوعي ونقله إلى مقر التحفظ بجابر بن حيان سعة 1535، وتم تقييده وتغمئته وتكميمه لحين ورود تعليمات أخرى.

كما نفيد سيادتكم أن المذكور طلب قبل تكميمه توصيل رسالة لسيادتكم، مفادها أن هناك مستندات خطيرة تعلمها سيادتكم موجودة لدى شخص آخر وأن هذا الشخص مكلف بتسليم هذه المستندات إلى النائب العام حال اختفاؤه".

لا جديد

وبالرغم من مرور السنوات الـ 14 مازالت أسرة الصحفي رضا هلال، تبحث عنه وتمشي وراء كل خيط قد يفيد بمعلومة جديدة عنه، سواء كان حيًا أو ميت.

أولًا وأخيرًا كل ما يسعون لأجله هو كشف حقيقة ما حدث لرضا هلال، منذ إخفاءه قسريًا في الـ11 من أغسطس 2003.

فالاختفاء القسري في تعريف منظمة العفو الدولية عن الاختفاء القسرى، قالت: "ما برحت حالات الاختفاء القسري تقع في كثير من البلدان فى مختلف أنحاء العالم، وهى تشكل ملمحاً مستمراً من ملامح النصف الثاني من القرن العشرين، منذ ارتكابها على نطاق واسع في مناطق أوروبا التي خضعت للحكم النازي فى عام 1941".