في يوم الشهيد| شهداء الصحافة.. قصاص مفقود في دوامات المحاكم
March 9th, 2017


تتوالى الأنظمة السياسية التي تتأرجح في سياستها وأيدولوجيتها بين القطب والقطب الآخر، وتشتد الصراعات السياسية بين القوى الفاعلة في النظام وبين الحراك الشعبي، بين مؤيد ومعارض، بين أجهزة أمنية وعناصر مسلحة، كلها صراعات يكون لأطرافها معتقداته وأفكاره وانتمائه لمصر بأشكال مختلفة قد تتميز بوجاهتها أو خستها، يذكر التاريخ كل منهم سواء بالشرف أو بالوضاعة، يذكر مصائرهم، يذكر أدوارهم.

كما يذكر الحقائق والوقائع، بعدساتٍ أو بأوراقٍ يطوي التاريخ ذكرى مَن حملوا حياتهم على أعناقهم في سبيل الوصول ونقل هذه الحقائق، ورحلوا وأُهدِرت حياتهم في سبيل ذلك، ولأنهم لم يكونوا طرفًا في ذاك الصراع، لم تهتم بالاقتصاص لهم الأنظمة الحاكمة ولا النخب السياسية، ولا أي من أطراف الصراع، وكان هو الشيء الوحيد الذي اتفقوا عليه، وأروقة المحاكم لم تأتِ بجناة أو قصاص؛ فدهستهم أوراق المحاكم المنقوصة والعوار القانوني والمعلومات المفقودة، فلم يلقوا ما يستحقونه من حقهم في الحياة، أو من قصاصهم بعد الموت.

في ذكرى يوم الشهيد المقرر في 9 مارس من كل عام؛ تخليدًا لذكرى استشهاد رئيس أركن حرب الجيش المصري عبد المنعم رياض، سنذكر وسنخلد أسماء جنود الحقيقة الذين رحلوا في سبيل عملهم كي لا يطوي التاريخ ذكراهم، وسنذكر كيف مضى الحال في أروقة المحاكم وكيف انتهى الحال بدون أي نتيجة تُذكر.

ضحايا القتل من الصحفيين

يلزم التنويه بأن مرصد "صحفيون ضد التعذيب"، قد قام بأقصى درجات التقصي والتحقيق، وفقًا لمعايير محددة تتعلق بسقوطهم ضحايا أثناء تأدية عملهم، وأن هناك حالات أخرى يرجح أنها لم يتحقق فيها شرط مقتلها أثناء عملها، إلا أنه وفقًا لمعايير المرصد كان هناك 10 ضحايا من الصحفيين منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير إلى الآن.

أولاً: ضحايا لم يتم رفع دعوى جنائية لصالحهم

صلاح الدين حسن صلاح الدين

قُتل أثناء تغطيته الاحتجاج الشعبي في ساحة الشهداء ببورسعيد ضد الرئيس الأسبق محمد مرسي، يوم 28 يونيو 2013، جراء انفجار عبوة ناسفة أخذها ليبعدها عن المتظاهرين، ولم يتم تحريك دعوى جنائية لصالحه.

أحمد سمير عاصم السنوسي

قتل أثناء تغطيته لأحداث الحرس الجمهوري، يوم 8 يوليو 2013، حيث تمكن من تصوير الاشتباكات التي اندلعت بين محتجين على عزل "مرسي" والقوات المكلفة بتأمين المنشأة العسكرية، وأثناء تصويره للقناص الذي يستهدف المعتصمين؛ وقع ضحية له، ولم يتم تحريك دعوى جنائية لصالح القتلى في تلك واقعة، وانما تم تحريك دعوى بالتجمهر واستعراض القوى والتعدي على أفراد الأمن، وفي نوفمبر 2013 تمت إحالة المدنيين للمحاكمة العسكرية، ودخل الصحفي ضمن الضحايا الذي أفلت جناتهم من العقاب.

ثانيًا: ضحايا تم رفع دعوى جنائية لصالحهم

وائل ميخائيل

أصيب بطلقة أثناء تغطيته لأحداث ماسبيرو، في 9 أكتوبر 2011، التي كان المسؤول الأساسي فيها الشرطة العسكرية، وانقسمت القضية لشقين؛ الأولى أمام المحكمة المدنية والمتهم فيها مدنيين بعدد من التهم من بينها "التجمهر واستعراض القوة والتعدي على المنشآت"، ولا تزال التحقيقات فيها سارية إلى الآن، أما الثانية فهي أمام المحاكم العسكرية؛ حيث أحيل فيها دعوى جنائية لضحايا الحادث ومن بينهم الصحفي وائل ميخائيل، وصدر فيها حكم بإدانة ثلاثة جنود لقيادة المدرعات بطريقة خاطئة (قتل خطأ)، بالسجن من سنتين إلى ثلاث سنوات.

أحمد محمود

قُتل برصاص الداخلية أثناء تغطيته لأحداث ثورة 25 يناير 2011؛ إذ أصيب في 29 يناير خلال تواجده في شرفة منزله بعدما طالبه نقيب شرطة بالتوقف عن التصوير، وقد توفي في فبراير 2011، وتقدمت نقابة الصحفيين ببلاغ إلى النائب العام مطالبةً بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة للقصاص العاجل، وذلك بموجب القضية رقم 358 لسنة 2011، عرائض جنوب القاهرة، المقيدة برقم 767 لسنة 2011، نيابة حوادث جنوب القاهرة الدور الخامس مجمع محاكم جنوب القاهرة.

وبتاريخ 24 سبتمبر 2016، أسدل القضاء الستار نهائيًا على قضايا جميع الضباط المتهمين بقتل متظاهري ثورة 25 يناير، بعد أن قضت محكمة النقض برفض طعن النيابة العامة على حكم براءة آخر أفراد الأمن المتهمين بقتل المتظاهرين.

وتم إفلات جميع المتهمين من العقاب، وذلك على الرغم من أن هذه القضية هي الوحيدة من قضايا قتل المتظاهرين التي كان تتضمن دليلًا مصورًا من الضحية نفسه للنقيب الذي أطلق النار عليه، ومن أوجه التخاذل أيضًا رفض الضباط الأربعة الامتثال إلى طلبات الاستدعاء، ولم تصدر النيابة أمر ضبط وإحضار لهم، كما تهربت وزارة الداخلية من كشف هويتهم.

الحسيني أبو ضيف

قُتل في أحداث الاتحادية في 12 ديسمبر 2012، بخرطوش في الرأس، ورغم رفع دعوى جنائية توجه تهمة القتل العمد لعدد من المتهمين؛ إلا أنه تم الفصل بالبراءة من هذه التهمة تحديدًا، وذلك موجب القضية رقم 10790 لسنة 2013 جنايات مصر الجديدة، المقيدة برقم 936 لسنة 2013 كلي شرق القاهرة، المتهم فيها محمد مرسي ومساعديه أسعد الشيخة، وأحمد عبد العاطي مدير مكتبه، و12 آخرين.

وفي أبريل 2015، قضت محكمة جنايات القاهرة، بمعاقبة محمد مرسي بالسجن 20 عامًا، والرقابة 5 سنوات، عن تهمتي استعراض القوة والعنف، والقبض والاحتجاز المقترن بالتعذيب البدني، كما عاقبت المحكمة المتهمين محمد البلتاجي، وعصام العريان، ووجدي غنيم، وأسعد الشيخة، وأحمد عبد العاطي، وأيمن هدهد، وعلاء حمزة، ورضا الصاوي، ولملوم مكاوي، وهاني سيد، وأحمد المغير، وعبد الرحمن عز، بالسجن المشدد 20 عامًا، ووضعهم تحت المراقبة لمدة 5 سنوات، بعد إدانتهم بنفس التهمتين.

وعاقبت المتهمين جمال صابر، وعبد الحكيم عبد الرحمن، بالسجن 10 سنوات، ولكنها أصدرت حكم بالبراءة في تهم القتل العمد وإحراز الذخائر؛ أي أنه لم يتم القصاص لمقتل الحسيني أبو ضيف؛ مما يدخل ضمن نطاق الإفلات من العقاب.

وبحسب المحامي عبد المنعم عبد المقصود، فإنه سيتقدم بالتماس إلى محكمة النقض؛ لإعادة النظر في موضوع الطعن، وسيطالب بالإفراج عن المتهمين من خلال عفو رئاسي.

تامر عبد الرؤوف (ضحية حظر التجوال)

تم إطلاق النار عليه داخل سيارته من قبل قوات الجيش، في 19 أغسطس 2013، عقب اجتماعه مع محافظ البحيرة، وذلك بدعوى خرقه لقرار رئيس الوزراء (رقم 772 لسنة 2013) بشأن إعلان حظر التجول في بعض المحافظات، على الرغم من اخبارهم بأنهم بأن حظر التجوال مرفوع عنهم لأدائهم مهمة صحفية، وأن الواجب تأمينهم.

ومن المفترض أن عقوبة كسر الحظر هي الحبس؛ أي أنه كان المفترض أن يتم إلقاء القبض عليهم والتحقيق معهم، وإذا ثبت إدانتهم تحدد عقوبة الحبس وليس القتل؛ الأمر الذي يعد جريمة قتل يعاقب عليها قانون العقوبات، خاصةً أن قانون تنظيم الصحافة المصري رقم 96 لسنة 1996 منح الصحفيين بموجب المادة (7) منه "الحق في حضور المؤتمرات وكذلك الجلسات والاجتماعات العامة"، دون أن يحدد استثناءات على التمتع بهذا الحق، وهو ما ينطبق على هذه الواقعة تمامًا؛ لأنهم في مهمة رسمية كصحفيين.

أمرت النيابة بحبس حامد البربري – زميل "عبدالرؤوف" والمعتدي عليه أيضًا والمحتجز بالمستشفى آنذاك - 4 أيام على ذمة التحقيقات بتهمة حيازة أسلحة, فيما جاء بيان القوات المسلحة خاليًا من الإشارة إلى وجود أسلحة, بينما تم إحالة قضية مقتل تامر عبد الرؤوف إلى النيابة العسكرية، التي أخلت سبيل "البربري"، بتاريخ 22 أغسطس 2013.

وضمت النيابة العسكرية محضر الواقعة، الذي حمل رقم 27 أحوال لسنة 2013، إلى التحقيقات التي تجريها، وكذلك إرفاق مذكرة تحريات المباحث الخاصة بالواقعة مع استعجال قسم الأدلة الجنائية؛ لإيداع تقريره المفصل عن المضبوطات في الحادث، فيما قال محمد بهنسي، عضو لجنة الدفاع عن الزميل حامد البربري، إن النيابة العسكرية سوف تستمع إلى باقي شهود الواقعة في إطار التحقيقات التي تجريها في ملابسات الحادث، ثم أصبحت تحقيقات الواقعة في طي الكتمان.

جاءت الموافقة على طلب نقابة الصحفيين رقم 1340 في 20 سبتمبر 2015، بضم تامر عبد الرؤوف إلى سجل الشهداء المقيدين بالمجلس القومي لرعاية أسر الشهداء والمصابين، وصرف معاش استثنائي لأسرته.

ميادة أشرف

استشهدت أثناء تغطيتها لأحداث اشتباكات بين قوات الأمن وبعض المشاركين في مسيرة لأنصار الرئيس الأسبق محمد مرسي بمنطقة عين شمس، يوم 28 مارس 2014، وتم فتح التحقيقات ولا تزال الدعوى سارية ضد 48 متهمًا، بتولي قيادة في جماعة إرهابية وإمدادها بالمعونات المادية والأسلحة والقتل العمد والشروع فيه، وتنظيم تجمهر بمنطقة عين شمس، وإطلاق الأعيرة النارية صوب المواطنين والإعلاميين الرافضين لتجمهرهم وقوات الشرطة، وكانت المحكمة قد قررت وقف سير المحاكمة وذلك إلى حين الفصل في طلب رد هيئة المحكمة في جلستها المنعقدة 13 فبراير 2017، إلا أن المحكمة قررت رفض الدعوى في جلستها الأخيرة المنعقدة في 5 مارس وبالتالي من المقرر استكمال المحاكمة، إلا انه لم يتم تحديد موعد الجلسة القادمة للمحاكمة.

ثالثًا: ضحايا أحداث فض رابعة

توجد دعوى قضائية حول أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، وبموجبها تم توجيه اتهامات بالقتل لعدد من المدنيين ضد مدنيين؛ إذ يأتي على رأس المتهمين فيها عدد من قيادات جماعة الإخوان، من بينهم محمد بديع المرشد العام للجماعة، وأسامة محمد مرسي نجل الرئيس الأسبق محمد مرسي، إضافة إلى المصور الصحفي محمود أبوزيد الشهير بـ"شوكان"، ولكنها لم تشتمل على أسماء الصحفيين المقتولين في تلك الأحداث، وذلك في القضية رقم 34150 لسنة 2015 جنايات أول مدينة نصر، والمقيدة برقم 2985 لسنة 2015 كلي شرق القاهرة.

مايك دين

أول صحفي غربي يُقتل أثناء تغطية صحفية في مصر منذ بداية تسجيل المرصد للانتهاكات - منذ بداية أحداث ثورة يناير – وذلك إثر إصابته بطلق ناري من سلاح قناص، خلال تغطية أحداث عملية فض اعتصام رابعة العدوية يوم 14 أغسطس 2013.

أحمد عبدالجواد

توفي أحمد عبدالجواد عقب إصابته برصاصة في منطقة البطن، أسفرت عن وفاته في اليوم ذاته.

مصعب الشامي

توفي إثر إصابته بطلق ناري نافذ من مسافة قريبة، أدى إلى مصرعه.

توصيات

1- إعادة التحقيق في قضايا القتل العشرة من الصحفيين ومحاسبة الجناة.

2- على النيابة العامة أن تقوم بتحريك الدعوى الجنائية لصالح ضحايا الأحداث والاشتباكات.

3- على المؤسسات الصحفية التي كان يعمل بها هؤلاء الصحفيين تحريك دعاوى جنائية لتقتص لهم.

4- على الدولة توفير تعويضات مادية وأدبية لأهالي الضحايا.

5- على وزارة الداخلية - وهي الجهة المنوط لها عملية التأمين - أن تعمل على توفير حماية خاصة للصحفيين أثناء تأدية عملهم وبخاصة في الفاعليات والاشتباكات وأحداث العنف.