ننشر مقال جمال الجمل الممنوع من النشر: "مقال طارئ!"
April 12th, 2017


جمال الجمل

منعت صحيفة المصري اليوم، أمس الثلاثاء، الموافق 11 إبريل 2017، مقال الكاتب الصحفي جمال الجمل، من النشر.

لقراءة المقال: 

يقال أن الطاغية الروماني المشهور باسم "كاليجولا"، اتخذ قرارا بإعلان حالة الطوارىء في روما، ولما قال واحد من مجلس النبلاء: لكن دستور روما ينص على أن الطوارىء لا ينبغي إعلانها إلا إذا كانت البلاد في حالة حرب أو وباء، فقال كاليجولا قولته الخالدة: "أنا الوباء"!

بعدها بسنوات طويلة، وفي جدال أكثر وجاهة، ولغة أقل جنوناً وغطرسة من لغة "كاليجولا" قال لويس الرابع عشر ملك فرنسا: "أنا الدولة".

كان كاليجولا مغرما بالامتلاك، ويريد الحصول على كل شيء حتى القمر في عليائه البعيدة، وكان حكيما إلى درجة الجنون، ومجنوناً تقطر منه الحكمة، كما كان لويس الرابع عشر مفتونا بالجمال والأدب والفن، لكن هذه الميزات انقلبت إلى ديكتاتورية أضرت بالبلاد، عندما تغلبت النظرة الفردية للحاكم على كل الآراء والظروف من حوله، فدخلت روما في عصور من الفوضى، بدأت بمقتل كاليجولا نفسه داخل قصره ومن داخل نظامه، وانكمشت فرنسا بعد ازدهار وتوسع، أمام منافستها إنجلترا، على الرغم من أن لويس الرابع عشر حقق معجزات لفرنسا في بداية حكمه، لدرجة تلقيبه بـ"ملك الشمس"، لكن جارته اللدود هي التي صارت بعد ذلك "الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس"، حتى قامت الثورة الفرنسية، وانتهت الملكية، وبدأت فرنسا تأخذ مسارا جديدا يعيد الاحترام لفكرة الدولة العصرية، التي عطلتها نظرة لويس الانفرادية للحكم. 

المشكلة إذن ليست في عظمة الحاكم الشخصية، ولا إمكانياته العقلية الفذة، ولا حكمته التي يتعلم منها الفلاسفة، ولا بأحلامه الإمبراطورية الخاصة، ولا هوسه بالتشييد والإنجازات المادية، لكنها في قدرته على استيعاب كل الاتجاهات في المجتمع، وتحوله إلى نهر تصب فيه الروافد، وليس إلى منافس أو سد يمنع تدفق الروافد، ومن هنا تبدو لنا خطورة مقولة "أنا الوباء" ومقولة "أنا الدولة والدولة أنا"، ومقولة "اسمعوا كلامي أنا وبس"، لأنها مقولات فاسدة انتهى زمانها، وتحمل في طياتها إعداماً للدولة نفسها، وتجفيفا لملكات الإبداع والتفكير في المجتمع، وقد كان من حسن حظ روما، أنها وجدت من بين النبلاء من يثور لكرامته الشخصية وكرامة روما، فيعترض على تصرفات كاليجولا الطائشة، حتى جاء الوقت لإيقاف جنونه، قبل أن يدمر الإمبراطورية ويخربها من داخلها.

في المقابل سمحت إنجازات لويس الرابع عشر باستمراره في فترة حكم قياسية تجاوزت السبعين عاما، أحكم خلالها سيطرته على كل شيء في بلاده، وسعى إلى تهميش نفوذ النبلاء وأمراء الجيش، ورجال الدين، لذلك سقطت فرنسا بعد فترة من الازدهار، في أزمات اقتصادية، وتفكك داخلي، وتورطت في حروب مع إسبانيا وهولندا وصراعات داخلية، وبينما إعلامه يتحدث عن المجد والعظمة وبناء قصر فرساي، كان الشعب يتضرر جوعا، ومع ذلك انقسم الناس بين مهلل للمجد الذي حققه لويس الرابع عشر في نظر أنصاره، وبين البؤس الذي يعيشه الناس واقعا لا يمكن إنكاره، وفي الخلفية من كل هذا ظل الفارق بين كاليجولا ولويس، هو أن الأول وجد من يمنعه من تخريب روما، بعد أن انتقل جنونه من الخطر على شخصه إلى الخطر على الدولة، بينما لم يجد "ملك الشمس" من يقف ضد بذخه الشخصي وسعيه إلى المجد الذاتي على حساب فرنسا كلها، فحدث الاضمحلال، الذي انتهى بثورة متأخرة على الملكية والتسلط والاستئثار.

السؤال الأول: كيف يكون الحال مع من فشل في تحقيق الازدهار، ومع ذلك يتكلم ويتصرف معلنا طول الوقت "أنا الوباء، وأنا الدولة وأنا الدولة، وأنا عتريس"!

كيف يكون الحال مع من فشل في تحقيق الازدهار، ومع ذلك يتكلم ويتصرف معلنا طول الوقت "أنا الوباء، وأنا الدولة وأنا الدولة، وأنا عتريس"!

والسؤال الأخير: من يقرأ دروس التاريخ؟.. ومن يملك القدرة على تخليص الدولة (أي دولة) من تخلفها وتفككها الذي يختبئ كثيرا في أغلفة ملونة ذات شعارات براقة وخادعة؟

 لعل في البلاد من يجيب.

****
كنت قد نوهت إلى كتابة مقال في "حديث المراجعات" عن دور رجال الأعمال الوطنيين في تأسيس "سلطة المواطنة"، لكن "الطوارىء" فرضت نفسها على مصر، فحكمت "الضرورة" أن أكتب هذا "المقال الطارىء".