عبد الرحمن ياقوت.. الكاميرا تقود صاحبها إلى السجن (بروفايل)
June 9th, 2016


صحفيون ضد التعذيب

13342176_284441621899089_529367701_n

في نهار الحادي والعشرين من مارس/آذار لعام 2015، تعرّض "عبد الرحمن عبد السلام ياقوت"، المصور الصحفي بموقع "كرموز" الإخباري المحلي، لملاحقات أمنية بأحد شوارع منطقة الهانوفيل دائرة قسم شرطة الدخيلة، غرب محافظة الإسكندرية، من قِبل عدد من قوات الأمن، انتهت بإلقاء القبض عليه في التاسعة مساءً، وذلك أثناء تغطيته لأحداث قطع الطريق أمام نقطة فوزي معاذ في الهانوفيل، رغم وجود كارنيه يفيد بأنه مصور صحفي، وإظهار تفويض من الموقع يؤكد أنه متواجد بذلك المكان من أجل تغطية الأحداث، فضلًا عن تقديم أصل التفويض للنيابة العامة.

بداية الواقعة

تفاصيل القبض على "ياقوت"، يرويها محمد خاطر، مدير تحرير موقع كرموز، قائلًا، إنه في تمام الثانية عشر والنصف ظهر السبت الموافق 21 مارس 2015، حاوَلت إحدى الفتيات إحراق نقطة "فوزي معاذ" في الهانوفيل، ولكن تم إلقاء القبض عليها من قبل الأهالي وتسليمها لقوات الأمن، وأثناء تلك الواقعة كان الطريق مغلق أمام سائق تاكسي به (نوران ضياء) إحدى مراسلات أخبار العجمي، إذ أخبرها السائق عن احتمالية وجود قنبلة، وحينها أبلغت المراسلة "ياقوت" - والذي كان وقتها في منطقة ويدوس – بتلك الأنباء؛ حتى يتأكد من صحتها.

ووفقًا لما ذكره "خاطر"، فإن "ياقوت" قد توجه إلى هناك لتغطية الحدث وأخرج الموبايل ليصور به ما رأى، وحينها ذهب إليه مخبران وأمسكوا به، وعندما أخبرهم أنه صحفي، ألقيا القبض عليه وتم اقتياده إلى النقطة والاعتداء عليه بالضرب، مشيرًا إلى أن الشرطة أخذت الصحفي إلى مباحث قسم الدخيلة، فاتصل بمديرية أمن الإسكندرية لإبلاغهم بما حدث لـ"ياقوت"، فأخبروه بأنه سيتم التواصل مع قسم الدخيلة.

ويرصد "خاطر"، تفاصيل ما بعد إلقاء القبض على "ياقوت"، قائلًا: "فوجئنا بذهاب قوات من الداخلية إلى مكتب الدعاية والإعلان الذي يعمل به عبد الرحمن، وكسر الباب للتفتيش لكنهم لم يجدوا شيئًا، كما تم السؤال عليه في شركة الحديد والصلب التي يعمل بها والد، ثم ذهبت أنا وزميلي محمد جبر، إلى داخل القسم لدخول الأكل له، ورأينا "ياقوت" حينها في حجز القسم، والذي أخبرهم أنه تم اتهامه ضمن قضية متهم بها 3 ينتمون إلى جماعة الإخوان.

[embed]https://youtu.be/Nsw7SCL0Pqc[/embed]

التحريات وتحقيقات النيابة

وفور إلقاء القبض عليه، تم اقتياد "ياقوت" أولًا إلى أحد الأكمنة بمنطقة البيطاش؛ لاستجوابه أمام أحد الضباط، وبعد ساعات معدودة تم اصطحابه إلى قسم الدخيلة للتحقيق معه أمام عناصر جهاز الأمن الوطني (وهي جهة غير مختصة بالتحقيق، والجهة المنوطة بالتحقيق هي النيابة العامة باعتبارها سلطة الاتهام وسلطة التحقيق)، ثم رئيس المباحث بالقسم، وبعد 6 تحقيقات متتالية؛ أمر رئيس المباحث بإيداعه داخل زنزانة القسم بجوار باقي المحبوسين، وبالتزامن مع ذلك توجهت بعض العناصر الأمنية لمنزله بهدف التفتيش، إلا أنهم لم يجدوا شيئًا.

بعد يومين من احتجازه، تم عرض "ياقوت" على نيابة الدخيلة بالإسكندرية، (وهو ما يعد إخلال بالقانون الذي ينص على أنه لابد من عرض المتهم على النيابة العامة خلال 24 ساعة من لحظة القبض عليه)، وعقب فحص المحتويات التي كانت لديه لحظة القبض عليه؛ تم العثور بحوزته على (شنطة سوداء اللون، وكاميرا نيكون، وهاتف محمول سامسونج أبيض اللون، إضافة إلى 6 حجارة كاميرا)، وهو ما تم إثباته في محضر الشرطة، ورغم ذلك صدر قرار النيابة بحبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات، في القضية رقم 8558 لسنة 2015 جنايات الدخيلة، والمقيدة برقم 1206 لسنة 2015 كلي غرب الإسكندرية.

وتضمنت أوراق القضية حزمة من التهم تم توجيهها إلى "ياقوت"، من بينها الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين، والترويج بالقول والفعل للجماعة، والتظاهر بدون ترخيص، وإحراز مفرقعات، واستعراض القوة والتلويح بالعنف، والتجمهر، حيازة وإحراز أدوات تستعمل للاعتداء على الأشخاص (مولوتوف)، بينما لم يتم إثبات أنه صحفي يعمل بموقع "كرموز" بين أوراق القضية، رغم تقديمه الكارنيه الخاص به، واعتراف مدير الموقع "محمد خاطر" بأنه كان مُكلف بتغطية الأحداث، ومن المقرر محاكمته فيها بجلسة 20 سبتمبر/أيلول من العام الحالي.

ولم تكن تلك هي القضية الوحيدة لـ"ياقوت" حول نفس الواقعة، بل تم توجيه اتهام آخر له بالمشاركة في حرق وإتلاف نقطة شرطة "فوزي معاذ"، بمنطقة الهانوفيل، غرب الإسكندرية، ليجد نفسه متهم في قضية أخرى تحمل رقم 3880 لسنة 2015 إداري الدخيلة، ولا تزال قيد المحاكمة، حيث تم تأجيلها لجلسة 5 سبتمبر/أيلول؛ بناءً على طلب المحامين، لحين حضور شهود النفي من رجال الأمن الوطني، وكذلك إحدى السيدات التي تواجدت بجانب نقطة الشرطة أثناء الحادث.

رسائل "ياقوت"

كتب "ياقوت"، عدة رسائل من داخل محبسه، بينما كان أبرزها تلك الرسالة التي جاءت للتعليق على تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي حول الإفراج عن الشباب المقبوض عليهم، وإعداد قائمة بالصحفيين تمهيدًا للإفراج عنهم، ونُشرت بعنوان "عفو رئاسي أم إعلامي"، وقال فيها "أتذكر جيدًا تصريحك بأن هناك أشخاص محبوسين على ذمة قضايا ملفقة، وأنك حريص على إخراجهم، وطالبت بإعداد قائمة بأسمائهم ليحصلوا على عفو رئاسي، فضلًا عن قائمة الصحفيين التي قيل إنها تعد من شهور".

وفي الرسالة نفسها التي نُشرت بتاريخ 26 يونيو 2015، قال "ياقوت": " لم يُفرج عن أحد منهم حتى الآن بدلًا من ذلك تم ضمي إليهم وحبسي، وجاء القرار منذ أيام بالإفراج عن 186 شخصًا من باب السجن مباشرة، لنفاجئ عند خروجهم من هنا، أنهم تبقى على انتهاء فترة مدتهم شهرين تقريبًا، هنا في سجن برج العرب أكثر من 200 شخص 80% منهم شباب من سن 18 لـ27 سنة، فضلًا عن كون 90% منهم تم القبض عليهم بشكل عشوائيًا أو من منازلهم، واتهامهم بالتظاهر فهل كان العفو شو إعلامي".

"ياقوت" أمام الجنايات

ومنذ عرضه على النيابة، استمرت تحقيقات النيابة مع "ياقوت" وتوالت معها قرارات تجديد الحبس الاحتياطي له 15 يومًا في كل جلسة؛ إذ بدأت التحقيقات أمام نيابة الدخيلة بالإسكندرية، ثم تم تحويلها إلى نيابة غرب الإسكندرية المنعقدة بمحكمة المنشية، ورغم عدم تقديم التحقيقات أي أدلة على التهم الموجهة إليه؛ إلا أن الحبس الاحتياطي استمر لقرابة الشهرين، حتى صدر أمر الإحالة لمحكمة استئناف الإسكندرية في 17 مايو 2015؛ تمهيدًا لتحديد جلسة له بمحكمة الجنايات، والذي جاء فيه أن "ياقوت" مصور صحفي بعد تحريات الأمن الوطني.

[caption id="attachment_13806" align="aligncenter" width="474"]14074601_884403991696486_354302500_o أمر الإحالة[/caption]

وفي الثاني عشر من سبتمبر للعام نفسه، كانت أولى جلسات محاكمة المصور الصحفي "عبد الرحمن ياقوت"، أمام الدائرة الخامسة جنايات الإسكندرية، برئاسة المستشار يسري عبد الرحمن، والتي تم تأجيلها لعدة مرات، ومنذ ذلك الحين لم يصدر بحق "ياقوت" حكمًا نهائيًا سواء بالإدانة أو البراءة، حتى أتم عامه الأول من الحبس الاحتياطي في منطقة سجون برج العرب، كتب خلاله عدة رسائل حول تفاصيل التحقيق معه، ووسائل تعذيبه خلال التحقيقات، وكذلك عن معاناته داخل زنزانته، ونصائحه لأبناء المهنة حتى لا يلقوا مصيره خلف القضبان.

"ياقوت" خلف القضبان

وبعد مرور عام من حبسه، أفاد والد "ياقوت"، أن الحالة الصحية لنجله تدهورت؛ إذ علم أن "عبد الرحمن" مريض وينزف دمًا أثناء التبول، وقد تم عرضه على طبيب سجن برج العرب، والذي اكتفى بإعطائه أدوية دون فحص أو إجراء تحاليل لمعرفة أسباب ذلك، مؤكدًا أنه استشار أحد الأطباء المتخصصين حول الأعراض التي يعاني منها ابنه، فوصف له بعض الأدوية، والتي أحضرها له وأرسلها إلى السجن، حتى أخذ عينة له في إحدى الزيارات وفحصها في أحد المعامل، وتبين أنها نتيجة ارتفاع نسبة الأملاح في الجسد.

ومع نهاية شهر مايو/أيار 2016، تم ترحيل "ياقوت" من سجن برج العرب إلى ليمان 440 بسجن وادي النطرون، وذلك لفترة مؤقتة، لتأدية امتحاناته بالفرقة الرابعة لكلية التجارة، ولحين انتهاء باقي زملائه المحبوسين لامتحاناتهم، إلا أن بعض التعنت من إدارة السجن واجهت أسرته حين زيارته، حيث لم يُسمح لهم بالجلوس معه، بينما يكون الحديث بينهم عبر سلك عازل يفصله عنهم، بحسب ما أكده والده حول تفاصيل زيارته له بـ"ليمان 440".