أن تكون صحفيًا في مصر (مقال رأي)
September 19th, 2016


صحفيون ضد التعذيب

14409008_539113662953763_1704461023_n

لم يعد الأمر يجلب الثقة والقوة، كما كان مسبقًا، تلك هي الحقيقة التي يدركها كل من ساقه قدره إلى العمل كصحفي في مصر، فبعد ثورتين شعبيتين، وصلت الكاميرا إلى حد الخطر، وأصبحت حرزًا في قضايا العنف والإرهاب، إذا كنت صحفيًا ميدانيًا، فبالتأكيد اضطررت إلى إخفاء "كارينه" صحيفتك في جوربك أو نعلك ذات مرة، تنكر أنك صحفي تارة، وتدّعي أنك مصور هاوٍ تارة أخرى، التطبيق الحرفي لمقولة "مهنة البحث عن المتاعب".

المعضلة ليست فقط في بيئة اجتماعية ونظام لا يحترم الصحفي، المشكلة أكبر من ذلك، ولتبسيطها يمكن عقد مقارنة بسيطة بين القوانين التي تتحدث عن حرية الصحافة والإعلام عمومًا في مصر، وبين نظيرتها في الدول المتقدمة على سبيل المثال أمريكا.

لو كنت صحفيًا في الولايات المتحدة الأمريكية، فبخلاف الميزات المتعلقة بالراتب الذي يتجاوز عشرة أضعاف ما يحصل عليه الصحفي في مصر، فإن هناك قانونًا حقيقيًا ورغبة صادقة من أجهزة الدولة في احترام حرية الصحافة، التي بالمناسبة تتجاوز كثيرًا.

في عام 2002 كان 42 بالمائة من الأمريكيين يعتقدون أن الصحافة في بلدهم تتمتع بحرية "زائدة عن اللزوم"؛ فهي تتجاوز أحيانًا خصوصية الأفراد، ولا تنفك تنشر الأسرار الحكومية، مستغلة مساحة واسعة كفلها التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة.

إذن.. ما المطلوب من الصحفي بالتحديد؟، في مصر أغلب المؤسسات الصحفية القومية والخاصة، تضع قيودًا على المواد المنشورة، خاصة تلك المتعلقة بالإساءة للمؤسسة العسكرية، أو رئاسة الجمهورية، لو كنت مذيعًا في التليفزيون المصري لا تحاول أن تنتقد الرئيس، فإن لم تسجن سيكون مصيرك لجنة تأديبية تفصلك عن العمل، كما حدث مع الزميلة عزة الحناوي، لا تحاول أن تصنع تقارير عن الأوضاع الإنسانية في سيناء مثلًا، ففي النهاية قد تحاكم محاكمة عسكرية وهو أمر تكرر مع الزميل أحمد أبودراع في سيناء، عليك أن تعمل في النطاق الضيق المحدد لك، وهو أمر لا يخلق أفكارًا جيدة.

على النقيض في الدول المتقدمة، فبينما تتحرك دبابات الجيش العراقي لتطوق مدينة بغداد عام 2003، كانت أصواتًا في الصحافة الأمريكية تنتقد جيش بلادها انتقادًا لاذعًا، طبعًا بخلاف الرسوم الكاركاترية التي تسخر من المسؤولين عندما يخطئوا دون خوف، لتكون النتيجة فوز الإعلام الغربي بثقة جمهوره، فيما تظل وسائل الإعلام المصرية تجبر محرريها على السعي وراء "الترافيك"، بل وصلت مصداقية الصحف ووكالات الأنباء، أنها أصبحت تستطيع الوصول إلى معلومات حول حادثة وقعت في مصر قبل وسائل الإعلام المصرية، التي باتت تعتمد بنسبة كبيرة على البيانات الرسمية، تجلى ذلك في حادث سقوط الطائرة الروسية، فالخبر الأول والصورة الأولى والفيديو الأول، كان أصحابه هم الوكالات الأجنبية.

لكن دائمًا هناك شيئًا ما يجب فعله، فالراحل مصطفى أمين الذي أسس مع أخيه مؤسسة أخبار اليوم، لم يمت قبل أن يترك لنا "بوصلة" يمكن استخدامها لمعرفة إلى أي مدى انحرفت سفينة "صاحبة الجلالة"، وهي مقولته: "الصحافة الحرة تقول للحاكم ما يريده الشعب، وليس أن تقول للشعب ما يريده الحاكم".

داخل غرفة مغلقة، كان الصحفي بيتر جريست مسجونًا دون تهمة تقريبًا، لكنه صحفي، وفي مصر كونك صحفي يعني أنك في خطر داهم، في أي وقت وعلى أي كمين أو مظاهرة، قد تجد نفسك محاصرًا ثم مشحونًا في "بوكس" ثم في غرفة ضيقة ومظلمة، وذلك ببساطة لأنك مجرم في نظر الأجهزة الأمنية.

لكن الصحفي الاسترالي لم يكن ذكيًا لهذا الحد الذي يمكنه من فهم أن مصر ليست استراليا، ليكتب رسالة جاء في متنها: "أعلم أن حرياتنا، والأكثر أهمية، حرية الصحافة في مصر، لن تأتي دون جلبة وضغط من المواطنين، وجماعات حقوق الإنسان، والحكومات، وأي شخص يتفهم الأهمية الضرورية لحرية الصحافة بالنسبة للديمقراطية المصرية"، لكن في النهاية فازت الجنسية الغير مصرية، وخرج جرست وأخذ معه زميله محمد فهمي الذي تنازل عن جنسيته المصرية بدوره كي يخرج، وبقي في السجن شوكان وياقوت وعبدالمنعم وشوشة وصحفيو رصد وغيرهم.

الوحدة الإعلامية