"سجن العقرب".. المقبرة تضيق على الصحفيين
June 26th, 2016


صحفيون ضد التعذيب

13522393_295366140806637_758816139_n

في ثمانينيات القرن الماضي، وعقب عودة بعثة تدريبية مصرية من الولايات المتحدة الأمريكية، اقترحت مجموعة من ضباط الشرطة المصرية، بناء سجون جديدة، تكون شديدة الحراسة، على غرار ما رأوه في الولايات المتحدة الأمريكية، قوبل وقتها الاقتراح بالترحيب الشديد من قبل وزير الداخلية المصري آنذاك، حسن الألفي، وكبار مساعديه على رأسهم اللواء حبيب العادلي، وهو السجن الذي خصص بعد ذلك للمعارضين السياسيين والإرهابيين.

الفكرة أمريكية.. والتنفيذ مصري:

وضع حجر الأساس للسجن، عام 1991، ليتم تشييد السجن الذي عرف باسم سجن العقرب، وهو السجن الذي استغرق بناؤه عامين، وتم الانتهاء منه في مايو/أيار 1993، ويبلغ ارتفاع السور المحيط بسجن العقرب سبعة أمتار، أما بواباته فهي مصفحة من الداخل والخارج، بينما تقع جميع مكاتب الضباط خلف الحواجز والقضبان الحديدية.

ويضم سجن العقرب 320 زنزانة مقسمة على أربعة عنابر أفقية تأخذ شكل حرف "H"، كل عنبر ينفصل بشكل كامل عن باقي السجن بمجرد غلق بوابته الخارجية المصفحة، فلا يتمكن المعتقلون من التواصل عبر الزنازين، كما يفعل المساجين في السجون العادية، نتيجة الكميات الهائلة من الخرسانة المسلحة التي تمنع وصول الصوت.

أساليب العقاب:

في كل زنزانة بسجن العقرب، أو "طرة شديد الحراسة" بحسب ما تسميه وزارة الداخلية، يوجد مصباح قوته مائة وات تتحكم بها إدارة السجن، فتارة  تقطع المياه، للتأديب وتارة أخرى، تقطع الإضاءة، وتارة ثالثة تغلق الشبابيك، وإذا وجدت إدارة السجن أن هذا العقاب غير كافيًا، فهناك عشرين زنزانة للتأديب، ويرجع  تسمية سجن العقرب بهذا الاسم إلى أن من يدخله يفقد الأمل في الخروج منه، فهو سجن غريب وغير نمطي، فتصميمه الهندسي غير متعارف عليه في السجون، ومبني بطريقة ضد الهروب والهجوم، وهو السجن الذي كان يوضع فيه الجناح العسكري للجماعة الإسلامية والتكفير والهجرة والجهاد.

حتى عام 2011، كان يسمح للمساجين، بـ"الخلوة الشرعية"، لكل المحبوسين في السجن، لكن الأمر تغير بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني؛ ففي نوفمبر/تشرين الثاني، تبدل الأمر، حيث ألغى اللواء محمد نجيب مساعد وزير الداخلية، لقطاع السجون وقتها، أية مميزات للجماعات في السجون، واستبدل مكان الزيارة، بغرف زجاجية، يتم التحدث عبر التليفونات أثناء الزيارة، لمنع صدور تكليفات من داخل السجون إلى خارجها، لأن تلك الزيارات تكون في وجود ضباط ووفقا للقانون، ويتم تنفيذها على جميع النزلاء.

"العقرب".. مقبرة المساجين:

بسبب المعاملة السيئة، وسوء الرعاية الطبية، توفي خمسة نزلاء في أقل من عام، كان آخرهم رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية، عصام دربالة، وضمت قائمة وفيات سجن "العقرب" فريد إسماعيل العضو البارز في حزب جماعة الإخوان المسلمين، والذي رفضت سلطات السجن نقله إلى مستشفى خارجي لتلقي العلاج، رغم إصابته بمضاعفات مرض السكري وفيروس "سي"، وحجزه انفراديًا عدة أشهر، ومنع الدواء عنه، مما تسبب في دخوله في غيبوبة كبدية، ونزيف، وجلطة بالمخ، ثم وفاته في 13 مايو/أيار 2015، كما توفي عصام دربالة رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية، والقياديان السابقان بجماعة الجهاد الإسلامي مرجان سالم ونبيل المغربي، وعضو جماعة الإخوان عماد حسن، وجميعهم توفوا في الفترة بين مايو/أيار، وسبتمبر/أيلول 2015.

[embed]https://www.youtube.com/watch?v=icGuaa4598g[/embed]

نزيف الصحفيين داخل "العقرب":

ثلاثة صحفيين، كانوا يستقرون في سجن العقرب، يعانون من سوء المعاملة، كغيرهم من نزلاء السجن، أحدهم ترفض إدارة السجن السماح له بعمل أشعة وفحوصات، إذ يعاني من مشاكل في الفك من أثر الضرب والتعذيب الذي تعرض له في سجن وادي النطرون، الذي كان فيه قبل أن يأتي إلى العقرب، وهو يحتاج إلى إجراء عملية بالفك، ولكن إدارة السجن تتعنت في السماح له بالذهاب إلى مستشفى طرة.

وبسبب الحاجز الزجاجي، لا يستطيع أهالي الصحفيين، الاقتراب منهم واحتضان ذويهم، هذا بخلاف معاناتهم في كل زيارة، فلابد لمن يريد زيارة ذويه أن يذهب إلى مقر السجن ثلاث مرات في الأسبوع، مرة من أجل تسجيل اسمه، وأخرى لتوصيل الطعام، وثالثة للزيارة، التي يجب أن يكون أمام السجن في الثالثة فجرًا، وينتظر عدة ساعات حتى يتم السماح له، وفي كثير من المناسبات، تمنع إدارة السجن دخول الدواء والملابس.

13552607_295366164139968_1702202998_n

كما منعت إدارة السجن الزيارات لأسباب لا يعلمها ذوو الصحفيين، منذ ما يقرب من منتصف أبريل/نيسان الماضي، وعند الاستفسار عن سبب منع الزيارات، كانت الإجابة على لسان أحد الضباط، "لو مش عاجبكم روحوا اشتكونا"، وهو الأمر الذي دفع عدد من الأهالي إلى التعبير عن غضبهم، والتظاهر أمام السجن، للمطالبة بإتاحة الزيارة، خاصةً بعدما ترددت أنباء حول وجود حالات تسمم لبعض المساجين قبل يوم واحد من رفض زيارة الأهالي، كما ترفض إدارة السجن زيارة المحامين لموكليهم رفضًا تامًا؛ مما يزيد من مخاوف وشكوك الأهالي.

بعض الأهالي يصرون على أن هناك حالة تسمم أصابت أكثر من 40 مسجونًا، وذلك بعد شراء وجبة سمك من "كانتين" السجن وفسادها أثناء تناولها، لكن الصحفيون الثلاث المحبوسون في السجن، لحسن الحظ لم يتناولوا من تلك الوجبة، بحسب شهادة أحد أهالي الصحفيين.

في غياهب "العقرب" تدهورت، الحالة الصحية، لأحد الصحفيين المحبوسين هناك، إذ أنه يعاني من قرحة في المعدة ويتقيأ دمًا على مدار يومين متتاليين، وذلك بعدما أصيب بنزلة معوية قبلها بأسبوع، كما أن إدارة سجن العقرب رفضت نقله إلى المستشفى، واكتفت بعرضه على طبيب السجن؛ كما رفضت إدارة السجن السماح بدخول ملابس أو أغطية خلال زيارتها الأخيرة له، كما تعنتت في إدخال الأكل إليه.

13550949_295366144139970_1180628769_n

صحفي آخر في سجن العقرب، له قصة أخرى مع تعنت إدارة السجن، وسوء المعاملة، حيث تمنع إدارة السجن دخول كافة الكتب داخل الزنزانة، بما في ذلك المصاحف، ومن أجل السماح بمرور مُصحف؛ يتوجب ذلك أن يكون خاليًا من التفسير أو معاني المفردات، وهو ما حدث مسبقًا معه وتم منع مرور المصحف الذي يحتوي على تفسير، أن إدارة السجن لا تسمح إلا بدخول الكتب الدراسية بشرط أن تكون مختومة من الجامعة وتمر على الأخصائي أولًا قبل وصولها إليه، كما أن الطعام أيضًا يمر إليه بطريقة مُهينة، داخل أكياس بلاستيك؛ الأمر الذي دفعه إلى الإضراب عن طعام السجن والاكتفاء بالطعام الذي تحضره والدته وأمهات زملائه إليهم بالتتابع على مدار الأسبوع، وفقًا لاتفاق بين الأمهات.

"انقذونا من المكان ده".. كانت تلك استغاثة أطلقها أحد الصحفيين، بعد معاناته داخل العقرب، ليصبح أقصى أمانيه نقله إلى أحد السجون الأخرى، إذ ناشد زوجته ومحاميه "أحمد حلمي"، باتخاذ إجراءات وتقديم شكاوى لتسهيل نقلهم من ذلك المبنى إلى مبنى (العقرب2).

"حسب أعراف السجن يتم تقسيم المعتقلين إلى: جنائي وسياسي وصحفي، في بادئ الأمر ظننت أن تصنيفي كصحفي هنا يجعلني أفضلهم حالًا، وكذلك ظنّ العديد من الصحفيين المعتقلين الذين قابلتهم في السجن حيث حرصوا على إظهار هويتهم الصحفيية فور اعتقالهم، لكن الواقع كان معاكسًا تمامًا، حتى في التفاصيل الصغيرة، فمثلًا: يسمح للجنائيين باقتناء الجرائد والتلفزيونات بينما يُحرم منها الصحفيون، كما يُسمح للجنائيين بإدخال الكثير من أصناف الأدوات الشخصية والطعام وغيره مما يُمنع منعًا باتًا دخوله إلينا بلا سبب سوى الزيادة في التضييق علينا، تتكرر حملات التفتيش على زنازين الصحفيين بصورة بشعة وغير إنسانية ودون احترام حتى لأدنى قيم الإنسانية في الوقت الذي تكون فيه زنازين الجنائيين في راحة من هذا، وأخيرًا -في عيد الفطر- تم العفو والإفراج عن 424 مجرمًا جنائيًا وخَلَت قائمة العفو من أي صحفي أو معتقل رأي".. مقتطف من رسالة لأحد الصحفيين داخل سجن "العقرب" سيء السمعة.