ورقة موقف .. من يملك أوامر “الفرم” بحق الصحف المصرية !؟
August 23rd, 2015


صحفيون ضد التعذيب

11911002_10200908303266106_1124556434_n

مرصد صحفيون ضد التعذيب ومؤسسة حرية الفكر والتعبير يصدران ورقة موقف بعنوان "من يملك أوامر "الفرم" بحق الصحف المصرية"

خلال العشرة أيام الأخيرة تعرَّضت ثلاث صحف مصرية “للفرم” أو “وقف الطباعة” داخل مطابع الأهرام من قبل جهات أمنية/سيادية غير معلومة بالمخالفة للدستور والقانون، في انتهاك يُعد الأكثر خطورة على حرية الصحافة والإعلام في مصر، بعد استهداف الصحفيين وقتلهم وحبسهم، منذ قيام ثورة يناير 2011م. حيث أكد موقع جريدة “المصريون” الأسبوعية أن مؤسسة الأهرام؛ أوقفت، أمس السبت الموافق 22 أغسطس 2015م، طبع العدد الأسبوعي لـ “المصريون”، المُقرر صدوره الأحد، وهي المرة الثانية التي يُعطَّل فيها طبع الجريدة، بعد أن سبق وعطَّلت جهات أمنية طبع عددها الصادر في 14 ديسمبر الماضي، بسبب تحفظات على محتوى العدد. وكانت “المصريون” أرسلت صفحات العدد الجديد لمطابع “الأهرام” في وقت مبكر صباح السبت، إلا أنها فوجئت بصدور أوامر مجهولة بوقف الطبع، وذلك بسبب اعتراضات على مقال جمال سلطان، رئيس التحرير، بعنوان (لماذا لا يتوقف السيسي عن دور المفكر الإسلامي)، الذي ينتقد تركيز الرئيس عبد الفتاح السيسي على مسألة الخطاب الديني أكثر من انشغاله بواجبات وظيفته الأساسية. كذلك اعترضت نفس الجهة المجهولة على تقرير في الصفحة الرابعة، بعنوان “الغموض يحيط بزيارة “السيسي” إلى بريطانيا خوفًا من الاعتقال، والذي يتناول مصير زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بريطانيا، المقررة قبل نهاية العام الجاري.

قبل وقف طباعة جريدة “المصريون” الأسبوعية بساعات؛ كانت جهات مجهولة -أيضًا- قد أوقفت طبع جريدة “الصباح”، السبت؛ بسبب اعتراضها على مقال “كيف تكون طفلاً للرئيس في 9 خطوات”، للصحفي أحمد رفعت، والذي ينتقد فيه حوار نفس الجريدة مع محمد بدران، رئيس حزب مستقبل وطن، حيث أكَّد وائل لطفي رئيس تحرير الصباح؛ أن هناك جهة طلبت تغيير المقال، رغم أنه قام بعرضه على محمد بدران، للرد، ولكنه رفض التعليق على المقال. وهو ما أكده، أحمد عاطف، رئيس قسم التحقيقات بالجريدة، عبر صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عصر السبت.

وكانت الحالة الثالثة هي جريدة صوت الأمة، حيث قامت جهة أمنية قبل أيام وتحديدًا؛ يوم الجمعة قبل الماضي، الموافق 14 أغسطس 2015، ب”فرم” عدد الجريدة بمطابع الأهرام -بعد طباعته- بسبب تناوله خبرًا اجتماعيًا يتحدث عن أحزان الرئيس لمرض والدته وزيارته لها في مستشفى الجلاء قبل يومين، بعد تدهور حالتها، وعن النزلاء الآخرين بالمستشفى. بحسب تصريحات رئيس تحرير الجريدة، عبد الحليم قنديل، الذي أكد أن نسخًا محدودة من العدد نزلت إلى الأسواق قبل فرمه.

من المسئول عن قرارات الفرم ووقف الطباعة!؟

أحدث الدستور المصري نقلة مهمة على مستوى المواد المتعلقة بحماية وتعزيز حرية الصحافة وحظر فرض الرقابة على الصحف أو مصادرتها في مواده 70،71، حيث نصَّ؛

مادة 70 “حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني مكفولة، ..”.

مادة 71 “يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها في زَمن الحرب أو التعبئة العامة. ، ..”.

إلا أن هذه المواد مُعطلَّة، ومُنتهكَة بشكل كبير من قبل جهات أمنية، غير معلومة، تُمارس كافة صور الرقابة المُسبقة على الصحف والجرائد -بمختلف أشكالها- وتتخذ قرارات بالمصادرة والفرم ووقف الطباعة وكأنها جهات فوق الدستور والقانون. في تصريحات متكررة، أكد أحمد السيد النجار، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام؛ أن الأهرام ليست طرفًا في أي قضية تتعلق بوقف الطباعة حال حدوثها، وأن المسئولية تقع على الجهة التي أصدرت قرار وقف الطباعة ولا علاقة للإهرام بها. وهو ما يثير العديد من التساؤلات؛ ما هي جهة الرقابة تلك؟ من يمتلك الحق في إصدار قرارات الفرم، وقف الطباعة، والمصادرة؟ هل هي جهة واحدة أم أن هناك أكثر من جهة تقوم بعملية الرقابة؟ ما هو السند القانوني لمثل تلك الأفعال؟!

فبمراجعة كافة القوانين التي تُنظِم عملية إصدار الصحف ونشرها وتوزيعها، وكذلك مصادرتها، تعطيلها أو منعها، كالقانون رقم 96 لسنة 1996م بشأن تنظيم الصحافة، والقانون رقم 20 لسنة 1936م بشأن الرقابة على المطبوعات، وقانون تنظيم المجلس الأعلى للصحافة ولائحته التنفيذية؛ تبيَّن أنه لا يوجد ثمة نص يعطي الحق لأي جهة أمنية/سيادية في اتخاذ قرارات تتعلق بوقف طباعة، فرم، أو مصادرة أية صحيفة مطبوعة بشكل مُسبَق إلا في حالات نصَّ عليها الدستور في زمن الحرب أو التعبئة العامة، ولها ما ينظمها. أو في حالة نشر أخبار تتعلق بالمخابرات العامة أو الشئون العسكرية.

إن استمرار مثل هذا النهج دون محاسبة ودون معرفة المسئول عن مثل تلك القرارات يُعد إهدارًا للدستور والقانون وكافة المواثيق والمعاهدات الدولية التي تحمي حرية الصحافة والإعلام، ويعطي انطباعًا بأن هناك جهات فوق الدستور والقانون تملُك تصريحًا من السلطة السياسية بالعبث بحق المواطنين في المعرفة، وتُنصِّب نفسها وصيًا على عقول المواطنين لتختار لهم ما يجب أن يقرؤوا، وما لا يجب نشره وكتابته.

كما أن تكرار هذا الأمر يُثير الشُبهات حول دور مؤسسة الأهرام في عملية الرقابة اليومية على كافة الصحف والجرائد التي تقوم المؤسسة على طباعتها، رغم نفي رئيس مجلس إدارتها، فقد أثبتت الحالات السالف ذكرها، أن الاتصال يجري عبر مؤسسة الأهرام وليس عن طريق تلك الجهة المجهولة التي لا يعرفها أحد، وهو ما يستدعي تحرُك عاجل من قبل نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة والجماعة الصحفية في مصر من أجل استيضاحه ومعرفة المسئول عنه وتقديمه للمحاسبة.

كذلك فإن من حقنا جميعًا كمصريين أن نتساءل؛ من يتحمل تكلفُة إعادة طبع النُسخ التي يُتخذ قرار بفرمها؟ هل هي الصحيفة صاحبة الشأن؟ أم مؤسسة الأهرام؟ أم أنها تلك الجهة التي اتخذت القرار؟ ففي الحالتين الأخيرتين يُمكننا القول بأن هناك ثمة شُبهة إهدار مال عام جراء هذه القرارات، يُفترض أن تجعل المسئولين عنها تحت طائلة القانون.

إن الشاهد المشترك بين الحالات الثلاث -على اختلافها- هو أنك لو تسطرت خبرًا أو كتبت مقالًا عن الرئيس لا يروق لتلك الجهة الأمنية/السيادية، في هذه الحالة تُصبِح “المفرمة” هي المكان الوحيد الذي تُوزَّع فيه نُسخ صحيفتك قيد الطباعة. في محاولة لإعادة صناعة إعلام الصوت الواحد الذي لا هم له سوى تمجيد الحاكم والتهليل لمشروعه السياسي. وتلك المحاولات اليوم اختلفت كثيرًا فلم تعُد أدوات الرقابة من منع ومصادرة وفرم قادرة على حجب المعرفة ومنع تداول المعلومات بين جمهور المواطنين، فوسائل الإعلام الإلكتروني أصبحت بديلًا حُرًا ينقل الرأي وينشُر المعرفة دون قيود. وهو ما يجعلنا نُعيد التساؤل حول الجدوى من وراء مثل تلك الأداءات؟!

إن كل ما سبق يحدث في الوقت الذي انتهت فيه لجنة الخمسين لصياغة التشريعات الصحفية والإعلامية من إعداد مسودة القانون المُنظِم للصحافة والإعلام، وتقديمُه لمجلس الوزراء، وتسليم نسخة منه لرئيس الجمهورية، بهدف إنجاز ما أقرَّه الدستور المصري (2014) في مواده213،212،211 حول تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام، بهدف ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام الخاصة/المملوكة للدولة، والحفاظ على استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها، و تحريرها من تدخلات السلطة التنفيذية. إلا أنه يبدو أن عملية إعداد التشريعات تجري في ظل مناخ عام تتزايد فيه معدلات الانتهاكات بحق الجماعة الصحفية على أصعدة مختلفة، فقد شهدت الفترة الماضية محاولات لتكميم الأفواه ومنع الأقلام المعارضة،حيث سجَّلت الأشهر الخمسة الماضية (مايو/أغسطس 2015) منع أربعة مقالات لكلٍ من أسامة الغزالي حرب، حازم عبد العظيم، علاء الغطريفي، وماجد علي في صحف الأهرام، اليوم السابع، الوطن، وأخبار اليوم؛ لأسباب مختلفة تتعلق بانتقاد تلك المقالات للرئيس السيسي وأداؤه السياسي، كذلك أوقفت السلطات المصرية، طباعة عدد جريدة “الوطن” اليومية، الصادر يوم الإثنين الموافق 11 مايو 2015م، حيث تم إيقاف طباعة العدد في المطبعة بسبب التقرير الذي شمله العدد السنوي عن “7 جهات أقوى من السيسي”. وقد صدر قرار الوقف بعد طباعة الجريدة 48 ألف نسخة، وتم فرم جميع النسخ. وأعيدت طباعة ونشر الجريدة، مع تغيير الموضوعات التي تحفظت عليها السلطات. وهو ما يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن التشريع -وحده- لا يمكن التعويل عليه، وخاصةً في ظل وجود إرادة سياسية مُعادية لحرية الصحافة تعلوه، وتجعل منه حبر على ورق.

لتحميل الورقة كاملة من هنا