هبة الخولي تكتب .. هل رأيتَ مصورًا؟
March 4th, 2015


صحفيون ضد التعذيب اختارت لي الأقدار مهنة صعبة، إن لم تكن أصعب المهن التي أعرفها، واخترت لنفسي أن أحبها. ومنذ أن وطأت قدماي الأرض المقدسة ذات الرمال المتحركة وأنا أنغرس فيها كل يوم أكثر ولا أشعر، أدعوك عزيزي القارئ أن تبحث عن أقرب جريدة لك، احضرها من فضلك، سأنتظرك. أحضرتها؟ انظر في الصفحة الأولى، هل تُزين الصفحة الأولى صورة كبيرة ما، وتحتها بخط رفيع وصف لها، ثم على الجانب الأيسر اسم المصور المطحون؟. أدعوك أن تتأملها قليلا أكثر من المعتاد، هل تقدر أن تتخيل إحساس من صورها؟ هل تواصل مع أصله كلاعب للإيكروبات؟ ووقف على مكان عالٍ حتي يأتي بهذه الصورة؟ أم تواصل مع جانبه الخفافيشي وحاول أن ينزوي في مكان لا يراه أحد حتى يلتقط هذه الصورة؟ أم كان حزينًا ومرهقًا، وتظهر الصورة ذلك؟ ابحث جيدًا سيصلك إحساسه أكيد، هو يضع إحساسه فقط لمن سيأخذ أكثر من ثوانٍ ليتأمل الصورة. ومن يعلم قد تكون هذه صورتي، فأنا يا سيدي جزء من مجتمع شبه مثالي يعيش في مصر مطحونًا يتلقى الضربات من كل الجهات، ويصبر من أجل ما يؤمن به، ويراه رسالة مقدسة. لكن عزيزي القارئ كم هي عالية تكلفة هذه الرساله المقدسة، نفقد فيها أصدقاء أعزاء ونُكمل مسيرتنا، نقع أسرى للروتين والتضييق علينا، ونصبر، يُقبض على أصدقائنا ويظلون خلف ظُلمات ثلاث، ونحاول بكل عجزنا أن نفعل شيئًا ولا نستطيع ان نُحرك الأيام باتجاهننا ولو قليلا، ونظل مُفعمين بالأمل. أن نسير في الشارع حاملين الكاميرا على كتفنا المنحني فقط، لأن الداخلية أزالت كل البائعين من منطقة وسط البلد، ويبدو وكأن الناس فهموا أننا جزء من حملة دعائية ما،فأصبحنا محط الأنظار والاستجواب، فكل من هو يسير على الأسفلت وجد أن من حقه أن يسألنا من نحن؟وماذا نفعل؟ بل إن أحيانًا هناك من يُطالب بتحقيق شخصية، فأشعر وكأنني مجرمة ما هاربة من العدالة ووجد هذا المواطن الشريف الحريص علي مستقبل بلاده أن ينفعها بإمساكه بي، متلبسة بالجُرم الفظيع، هذا إن حدث بعد أن نذهب للعقيد الذي يجلس مرتاحًا في الظل ونستأذنه فيطلب تحقيق شخصية ويعتقله رهينة معه حتي نعود، بينما يمر المتحرش سالمًا مُطمئنًا بعد أن ألقي نظرة هنا وكلمه هناك،هو ليس مصورًا. هل مررت من قبل على طريق الأوتوستراد ونظرت يمينًا إلى سجن طرة وإلى الدبابات الواقفة أمامه، وترحمت على الأيام، وحاولت جاهدًا أن تتذكر من المحبوس خلف هذه الأبواب؟ بينما تمر السيارة مسرعة في دقائق، قد يكون هذا اليوم الذي أقف أمام البوابات من الساعة العاشرة صباحًا حتى يشاء الله وندخل إلى معهد الأمناء، لكي نصور محاكمة ما، هي تتذكر هذة القضية التي لفتت أنظار الإعلام ورأيت منها فيديوهات داخل القفص وصورًا للمتهمين،هل رأيت؟ صورة لعلاء عبد الفتاح، أو لأحمد دومة، حتى البلتاجي وحجازي وبديع، هل أعدت نشر هذه الصورة على الفيس بوك معها تعليق شخصي لك؟ هل استغرق هذا دقيقة منك؟ لكن يبدو أننا كمصوريين نعيش في بعد زمني آخر، لأن هذه الدقائق قد امتدت وتشعبت حتى وصلت لساعات وساعات، ننتظر البعض منها، ونتكلم في البعض منها، بل قد يصل أن نقرأ كتابًا ما، ونتناول الفطار حتى يرى القاضي أنه حان الوقت لكي يقطع علينا الملل، وندخل إلى حرم معهد الأمناء، وتبدأ مرحلة التفتيش، واستبدال الكارنيه بالتصريح، ثم نسير علي الطريق نصفه رمل ونصفه غير مُمهد، ومنها لسلم حتى باب المحكمة، الذي قد يكون ما زال مُغلقًا، وبعدها المحكمة، لكن حتي هذه المرحلة قد تستغرق المحكمة لكي تبدأ ساعة أخرى، أو ساعتين حتى تصل الصورة لك. هل قابلت مصورًا من قبل وحاولت أن تسأله عن نفسه فوجدته يتكلم عن أصدقائه؟ نجاحهم الذي يشعر أنه نجاحه شخصيًا، هل وجدت صورة تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي فاكتشفت بالصدفة أن من نشرها هم أصدقاؤه الذين فرحوا لنجاحه كأنهم هم من نجحوا؟ هل رأيته يحاول أن يجد حل لمشكلة صديقه كأنها مشكلته الشخصية؟ وعندما حُلت شعر بالراحة؟، هل رأيت صديقًا لك يسعى أن يخرج صديقه من قبضة الشرطة التي مسكته بأي حجة فقط لأن معه كاميرا، ولذا فهو يمثل خطرًا علي الأمن القومي؟ويصلك إحساس وكأنه هو المحبوس لا صديقه، وعندما يصبح صديقه حرًا، فهو أصبح حرًا؟، هذا هو المجتمع الذي أعيش فيه وان لم يكن يخلي من المشاكل، لكن يبدو أنك عندما تعيش الموت والألم والفقدان مع مجموعة من الأشخاص يُقربك ذلك منهم أكثر مما تتصور. استيقظ يوميًا والسؤال يدور بذهني،ماذا سيقدم لي هذا اليوم؟ كنت أتمنى أن أعمل في عمل لا روتين ولا ملل فيه، لكني لم أكن أعلم أن أبواب السماء كانت على اتساعها يوم أن دعيت هذه الدعوة، فعملي كمصورة صحفية يجعل كل يوم مغامرة مختلفة، خاصة إذا كنت في مصر، والتي صُنفت كأسوأ ثالث دولة في العالم للعمل فيها كمصور صحفي، بعد العراق وسوريا، وهذه لا مُزحة فيها. لنا أصدقاء خلف القبضان في سجن سُجن فيه يوسف عليه السلام، وهذا بعد"أن شهدَ شاهدٌ مِن أهلِها"،وبعد "أن تبين لهم الآيات ليسجنُنَّه حتى حين"، أصدقاء كل تهمتهم أنهم كانوا يعملون، لكن كانت الظروف خاطئة. من المصور الصحفي الحر شاوكن "محمود ابو زيد" الذي يقترب من السَنة والشهرين في الظلام إلى المصور أحمد جمال زيادة الذي دخل في يومه الـ36 للإضراب عن الطعام إلى صحفيي الجزيرة الإنجليزية، الذين حُكم عليهم بالسجن 7 سنوات، وسكتت كل التغطية الإعلامية عنهم منذ وقتها،ونحن الذين نراقب الأحداث ونحدث بها تغيير وتأثير بالصورة. صورة يمكن أن تسافر حول العالم وتجعل متخذي القرار يغير قرارهم، لا نستطيع أن نفعل أي شيء لأصدقائنا خلف القضبان. وأخيرًا أتمنى لك أن تستغرق ولو دقائق للتفكير في هذه الفكرة، تعود لبيتك بعد يوم عمل طويل، تقرر أنك اكتفيت من كثرة الأخبار المُحزنة في بلادنا، وإنك أخذت القرار الأ تتابع الأخبار، ستغلق التليفزيون، وتلقي باللاب توب جانبًا، وتغلق الهاتف، ستقف في البلكوونة ومعك القهوة التي وقفت تسرح في الخيال منتظرًا لها، وصوت أم كلثوم يصدع خلفك من الغرفة، نحن لا نملك هذا الاختيار، رفاهية الاختيار أن تتجاهل ما يحدث، لا نملك هذه الرفاهية. لذا عزيزي القارئ إذا ما رأيت مصورًا بعد ذلك في طريقك، أرجوك اربت على كتفه، وقُل له الله يقويك، ويا حبذا لو كانت معها ابتسامة لطيفة.