استمرارًا لمحاولات "وأد الكلمة وكسر القلم".. النيابة تدخل خط المواجهة مع الصحفيين بعد إحالة نقيبهم للمحاكمة
May 31st, 2016


صحفيون ضد التعذيب

[caption id="attachment_11963" align="aligncenter" width="474"]13322157_1102044159842024_4579746519766680916_n وقفة للصحفيين أمام النقابة بعد احتجاز نقيبهم - تصوير: مصطفى الشيمي[/caption]

لاتزال الأزمة بين نقابة الصحفيين من جهة، ووزارة الداخلية من جهة أخرى، قائمة منذ واقعة اقتحام مبنى النقابة فيما سُمي بـ"الأحد الأسود"، إلا أن المعركة بين القلم والأمن بدأت تتخذ شكلًا جديدًا في المواجهة، بعدما دخلت النيابة في المشهد؛ فازداد الوضع سوءً واحتقانًا بين الطرفين، خاصةً بعد إسناد النيابة تهم "نشر أخبار كاذبة وإيواء مطلوبين أمنيًا"، لنقيب الصحفيين (يحيى قلاش)، ومعه اثنين من أبرز أعضاء مجلس النقابة (خالد البلشي رئيس لجنة الحقوق والحريات، وجمال عبد الرحيم سكرتير عام النقابة)، خلال تحقيق فتحته النيابة ظهر الأحد الماضي.

وبحسب خطاب الاستدعاء الذي أرسلته نيابة وسط القاهرة لنقيب الصحفيين، عصر السبت الماضي، فإن مثولهم أمام النيابة كان بهدف سماع أقوالهم في القضية رقم 515 لسنة 2016، والخاصة بحضور كل من الصحفيين "عمرو بدر ومحمود السقا" لمبنى النقابة، وما تبعه من اقتحام قوات الأمن للمبنى، إلا أن مجرى التحقيق – الذي بدأ ظهر الأحد وانتهى فجر الاثنين – تغيّر؛ ليفاجئ الثلاثة بالنيابة تُسند إليهم تهمتي "إيواء متهمين صادر بحقهم قرار ضبط وإحضار من النيابة، ونشر أخبار كاذبة حول اقتحام النقابة تؤدي لتكدير السلم العام".

[caption id="attachment_11823" align="aligncenter" width="474"]13295300_892811597493871_1373744875_n نص خطاب استدعاء النيابة لنقيب الصحفيين وعضوي المجلس[/caption]

وعقب تحقيق استمر قرابة الخمسة عشر ساعة، صدر قرار النيابة بإخلاء سبيل النقيب وعضوي المجلس بكفالة مالية قدرها 10 آلاف جنيه لكل منهم، وهو ما رفضه الثلاثة؛ نظرًا لأن إحدى التهمتين الموجهتين إليهم في التحقيقات تتعلق بالنشر، وهو ما لا يستوجب دفع كفالة، فضلًا عن طلبهم في بداية التحقيقات معه بمعرفة النيابة، انتداب قاضي تحقيق لمباشرة التحقيقات في كل الوقائع المتعلقة بأزمة اقتحام الشرطة لمبنى النقابة، في الأول من مايو الجاري، وكذلك التحقيق في البلاغات المقدمة من النقابة قبل واقعة الاقتحام وبعدها، وفقًا لتصريحات "قلاش".

وبناءً على رفض النقيب وعضوي المجلس سداد الكفالة، تم احتجازهم داخل قسم شرطة قصر النيل لمدة 10 ساعات دون البت في أمرهم سواء بإعادة عرضهم على النيابة مرة أخرى، أو الحبس لعدم دفعهم المبلغ المطلوب سداده، لكن تدخُل المحامي "طارق نجيدة" القيادي المستقل بالتيار الشعبي، ودفعه الكفالة دون علم النقيب وعضوي المجلس، بناءً على تكليف من مجموعة من الصحفيين رفض الكشف عن أسمائهم؛ ما ترتب عليه إخلاء سبيل الثلاثة مساء الاثنين، من النيابة برئاسة المستشار محمد نبوي، وإحالتهم لمحاكمة عاجلة بجلسة السبت المقبل.

[caption id="attachment_11943" align="aligncenter" width="474"]-1_1464641383 يحيى قلاش وخالد البلشي عقب إخلاء سبيلهم[/caption]

ويُعد ذلك التصعيد من قِبل الجهات الأمنية ضد الصحفيين بمثابة حلقة جديدة من محاولات وأد الكلمة وكسر القلم، التي بدأتها وزارة الداخلية مطلع الشهر الحالي مساء الأحد الموافق الأول من مايو/أيار، باقتحام عناصرها لمبنى النقابة في سابقة لم تحدث في تاريخ الصحافة المصرية، وإلقاء القبض على كل من عمرو بدر ومحمود السقا، الصحفيين بموقع "بوابة يناير" الإخبارية، واللذان كانا معتصمين داخل مقر النقابة؛ احتجاجًا على مداهمة قوات الأمن لمنازلهم وإصدار قرار بضبطهما وإحضارهما، وهو ما أعلنته النيابة العامة في بيانها لتبرير الواقعة.

ولم تتوقف المواجهة بين النقابة والداخلية عند تلك النقطة، بل إنها بدت حامية الوطيس منذ شرارتها الأولى؛ إذ بمجرد تداول نبأ اقتحام قوات الأمن للنقابة، تسارع الصحفيون – نقابين وغير نقابيين – نحو سُلمها للاصطفاف عليه؛ للدفاع عن الصرح الذي يمثل بيتهم ورفض الاعتداء عليه واصفين إياه بأنه "حماقة وجريمة لا تُغتفر"، ولم تمر ساعات معدودة حتى أعلن المئات من شباب الصحفيين الاعتصام بمقر النقابة، فيما خرج النقيب "يحيى قلاش" في ذلك اليوم، معلنًا انعقاد اجتماع طارئ للجمعية العمومية ظهر الأربعاء الموافق 4 مايو/أيار.

[caption id="attachment_11961" align="aligncenter" width="474"]Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-05-02 23:05:56Z | http://piczard.com | http://codecarvings.com تجمع الصحفيين على سلم النقابة مساء الأحد 1 مايو عقب اقتحامها[/caption]

وفور الواقعة، توالت ردود الفعل المحلية والدولية المنددة لاقتحام النقابة، سواء من الجماعة الصحفية أو المنظمات الحقوقية، فيما أصدرت النقابة بيانًا للرد على ما أسمته "أكاذيب وزارة الداخلية"، بينما تصدّر الحدث مانشتيات كبرى الصحف العالمية، والذين اعتبروه حلقة جديدة من مسلسل قمع حرية الصحافة في مصر، لاسيّما وأنه وقع قبل يومين من اليوم العالمي لحرية الصحافة؛ ما جعلها ترفع "راية سوداء" بطول مبناها صباح ذلك اليوم، مدوّن عليها عبارة "حداد على حرية الصحافة.. الصحافة ليست جريمة"، للتنديد بما حدث للنقابة.

وصباح الأربعاء الموافق 4 مايو/ أيار، كانت النقابة على موعد مع أبنائها، الذين بدأوا يتوافدون عليها من كل حدبٍ وصوب، من مختلف محافظات الجمهورية، للاحتشاد أمامها ودعم قراراتها التي ستناقشها وتعلنها في اجتماعها الطارئ؛ إلا أن الحواجز الأمنية والتكتلات البشرية التي وُضعت لحصار النقابة كانت في انتظارهم، فلم تكتفِ قوات الأمن بمنع الصحفيين غير النقابيين والتعنت مع النقابيين خلال محاولاتهم المرور، بل سمحت أيضًا بالاعتداء اللفظي والبدني عليهم من قِبل عشرات البلطجية الذين تواجدوا أمام النقابة، دون أن تتدخل أو تحرك ساكنًا.

[caption id="attachment_11962" align="aligncenter" width="474"]اعتداء البلطجية على الصحفيين بالنقابة - تصوير: محمود أبو الدهب اعتداء البلطجية على الصحفيين بالنقابة - تصوير: محمود أبو الدهب[/caption]

ورغم محاولات متكررة لإثناء الصحفيين عن دخول النقابة؛ إلا أنها باءت جميعها بالفشل، حيث شهدت النقابة في ذلك اليوم حشود غير مسبوقة من الصحفيين الذين تجاوز عددهم 5 آلاف صحفي، داخل النقابة وأمامها، وانعقد اجتماع الجمعية العمومية الذي انتهى بإصدار 18 قرارًا،  في مقدمتهم إقالة وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار، كمطلب لا رجعة فيه، إضافة إلى تقديم رئاسة الجمهورية اعتذارًا واضحًا لجموع الصحفيين عن جريمة اقتحام بيت الصحفيين وما أعقبها من ملاحقة وحصار لمقرها، وإصدار قانون منع الحبس في قضايا النشر.

ومن بين القرارات الـ18، إجراءات تتضمن دعوة جميع الصحف المصرية والمواقع الالكترونية لتثبيت لوجو "لا لحظر النشر.. لا لتقييد الصحافة"، والطعن رسميًا على القرار الذي أصدره النائب العام، المستشار نبيل صادق، مساء الثلاثاء الموافق 3 مايو/أيار، بحظر النشر في قضية "اقتحام نقابة الصحفيين"، وطلب وضع ضوابط لقرار حظر النشر، لتضع النقابة بذلك القرار نفسها في مواجهة مباشرة مع السلطة القضائية، وتكسر حظر النشر المفروض على قضية هي في الأساس تتعلق بالصحافة والنشر وحرية التعبير.

[caption id="attachment_11169" align="aligncenter" width="474"]صحفيون ينددون باقتحام النقابة وحظر النشر - صورة أرشيفية صحفيون ينددون باقتحام النقابة وحظر النشر - صورة أرشيفية[/caption]

ومن ذلك الحين، والمواجهة بين نقابة الصحفيين ووزارة الداخلية لاتزال على أشُدها، رغم محاولات بعض الجهات التدخل لحل الأزمة والتوافق بين الطرفين، من بينهم مجلس النواب، الذي توجه عدد من أعضاء لجنة الإعلام بالمجلس عقب واقعة اقتحامها؛ لمحاولة "رأب الصدع" وتجنب ما أسموه بـ"الانزلاق لتراشق سياسي"، إلا أن الوضع الحالي وما آلت إليه الأزمة بين الطرفين لهو تأكيد على فشل تلك المبادرات، لاسيّما بعدما بات نقيب الصحفيين وعضوا مجلس النقابة مهددين بالحبس، بعد إحالتهم للمحاكمة العاجلة المرتقبة.

13346915_10208368998295664_613118838725522489_n