نقابة الصحفيين.. اقتحام وحصار ثم محاكمة جنائية (تقرير سردي وتعليق قانوني)
September 23rd, 2016


صحفيون ضد التعذيب

14463651_540402629491533_1915405208_n

يستعرض هذا التقرير السردي والقانوني الجوانب الإجرائية والقانونية من مختلف الشهادات لشهود عيان وضحايا، مما قام المرصد برصده وتوثيقه بشكل مباشر، على خلفية واقعة اقتحام نقابة الصحفيين يوم 1 مايو الماضي وما سبقها وما أعقبها من أحداث متصلة، والتي انتهت بمحاكمة النقيب وعضوي مجلس النقابة أمام محكمة جنح قصر النيل بتهمة إيواء هاربين من العدالة، وذلك بعد اقتحام مقر النقابة وحصارها لمدة أسبوع وارتكاب انتهاكات عديدة ضد الصحفيين خلال تلك الفترة الزمنية.

يحاول باحثو المرصد أن يرسموا بدقة الصورة الكاملة لما حدث خلال تلك الأحداث المتلاحقة دون إبداء آراء أو توجيه لصالح كفة معينة، كواجب حقوقي ومهني، في محاولة للوصول وإبراز مسرح الحقيقة أمام الجميع، من الجاني ومن المجني عليه، من أجل المحاسبة العادلة والملاحقة للمعتدين مستقبلا.

ومن البديهي أنه من حق كل صحفي أن يلجا إلى النقابة العامة للصحفيين باعتبارها حصن لكل صحفي، و بالتالي لا يمكن اعتبارها مكان لإيواء الهاربين من القانون لأنها تخضع إلى مؤسسات وهيئات الدولة، وبذلك ليس من المنطق أو العقل الهروب من مأمور الضبط القضائي داخل أماكن تخضع لمؤسسات الدولة، دخول الصحفيين محمود السقا وعمرو بدر إلى مقر النقابة والاعتصام بداخلها حق مشروع ومكفول كمكان شرعي مُعترف به له شخصيته الاعتبارية المحصنة بالقوانين و اللوائح، جريمة "إيواء هارب" لابد أن يقع مسرح الجريمة داخل مكان خاص مملوك للمتهم أو لشخص ما وليس مكان عام مُقَنَّن مثل نقابة الصحفيين التي تعتبر مؤسسة يتولي مهامها الإدارية النقيب وأعضاء مجلس النقابة وليست مكانًا خاصًا.

ومن زاوية أخرى، نقابة الصحفيين ليست خاصةً بمجموعة من الأشخاص بشخصهم حتي توجه إليهم التهم الجنائية، بل إن صح القول، لابد من توجيه الاتهام بصفة "نقيب الصحفيين" و"أعضاء مجلس النقابة"، وبالتالي تحويل مسار الدعوى القضائية من المسائلة الجنائية إلى المسائلة الإدارية تختص بها محكمة مجلس الدولة، لانتفاء الركن المادي والمعنوي لجريمة الإيواء المتعلق بوجود الهارب من العدالة في أماكن لها صلة بالمتهم، ويرجع ذلك أيضاً أن النقيب لا يملك صفة منع أي صحفي من دخول النقابة، لأن النقابة ملكية عامة للصحفيين وليس ملك من أملاك النقيب ومجلس النقابة أو حتى يملك سُلطة طرد الصحفيين منها.

ويرى الباحث القانوني بالمرصد أن التصرفات التي اتخذها النقيب ومجلس النقابة في التعامل مع أزمة الصحفيين تمت في نطاق القانون، ولم يصدر أية تصريحات أو أفعال تتخذ شكل التشجيع على إيواء متهمين هاربين من القانون، بل من خلال تحقيقات النيابة اثبت أعضاء النقابة أنهم حاولوا التواصل مع الجهات الأمنية للخروج من المأزق ونقل نيتهم في تقديم مبادرة وحلول بخصوص السقا وبدر.

وفيما يتعلق بالصحفيين الصادر في حقهما قرار ضبط وإحضار من النيابة العامة فهما قد أعلنا أنهم معتصمان داخل نقابة الصحفيين على مختلف المواقع الالكترونية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، وقد قام عدد كبير من الشخصيات العامة بالتضامن مع قضيتهم والتقاط الصور داخل مقر النقابة، مما يعني أن الصحفيين محل الادعاء قد افصحوا عن أماكن تواجدهم.

وبالتالي انتفى العنصر الأساسي لجريمة الإيواء وهو ركن عدم علم مأموري الضبط القضائي بمكان الإيواء، بل إن الصحفيين قد أعلنا جاهرين بمكان اعتصامهم وبالتالي سقطت أركان جريمة إيواء متهمين هاربين، وكان لزامًا على مأموري الضبط القضائي اتباع القوانين واللوائح كي تأخذ الشكل القانوني السليم بالتنسيق المسبق مع قيادات النقابة للوصول لحلول سلمية بدلا من استخدام العنف واقتحام النقابة.

والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه الآن هل حدث أثناء اقتحام قوات الأمن لنقابة الصحفيين والقبض على الصحفيين المتهمين أن استعانت بأحد أعضاء النيابة العامة وسلمت إذن الضبط و الإحضار للمتهمين وذلك وفقًا لما نص عليه القانون في المادتين السابقتين؟ أم أنه قد اُستخدمت وسائل أخرى غير قانونية بحيث كان لابد من توقيع المسائلة القانونية المباشرة على مأموري الضبط القضائي أنفسهم؟ إلا أن النيابة العامة قررت توجيه المسائلة الجنائية في حق السيد نقيب الصحفيين وعضوي مجلس النقابة،

علاوة على ذلك لم يصدر في حق الصحفيين المعتصمين بالنقابة حكمًا قضائيًا بل أمر ضبط وإحضار، و بالتالي لا يعني الأمر بالضبط و الإحضار جريمة بعد يُعاقب عليها القانون، بل أن اعتصامهم كان سلميًا، لا يوجد أسلحة وليسوا إرهابين، بل إن الصحفي عمرو بدر يندرج اسمه ضمن قوائم "الصحفيين أعضاء النقابة العامة"، و كان - كشخصية عامة- أحد المرشحين للانتخابات التي جرت بنقابة الصحفيين، وبالتالي الأمر لا يستدعي تدخل قوات الأمن للحفاظ على النظام العام للدولة، ولا يوجد ضروروة قصوى تستدعي اقتحام النقابة وإلقاء القبض على الصحفيين، ونتج عن ذلك لاحقاً إجراء باطل من الإجراءات الجنائية فيما يتعلق بالقبض والتفتيش التي اجراها السيد مأمور الضبط القضائي.

بعد استدعاء قلاش وعبد الرحيم والبلشي إلى نيابة وسط القاهرة بمحكمة جنوب القاهرة الابتدائية بزينهم، قررت النيابة إخلاء سبيل الثلاثة بكفالة 10 آلاف جنيهًا لكل منهم، مما اعتبروه - قيادات النقابة- رسالة إهانة وإخلال بفلسفة القانون فيما يتعلق بالحبس الاحتياطي واعتباره عقوبة؛ فالأصل في الحبس الاحتياطي هو ضمان سلامة التحقيق، وأن الكفالات تكون فقط لضمان مثول المتهمين أمام العدالة.

وإذا كان المتهم لديه محل إقامة ثابت ومعلوم ولا يُخشى عليه من الهرب مع ضمانات استدعائه مجددًا في حال قيام السلطة القضائية باستدعائه، وَجَب الإفراج الفوري عنه بضمن محل إقامته أو محل عمله، وقد وقعت النيابة في خطأ "الكفالة"، وذلك لأن المتهمين من الشخصيات العامة التي تقود مؤسسة بحجم نقابة الصحفيين ولا يُخشى عليهم من الهروب.

إن سيادة القانون هي الرابط والضامن الاجتماعي لاستمرار الحياة والتواصل بين الشعوب و السلطات، وإهدار سيادة القانون هو بداية انهيار دولة القانون والمؤسسات والخروج عن المسار الذي يسعى إليه الكل المتعلق بتحرر الشعوب وسيادة الديمقراطية، والانقلاب على القوانين هو ينتج صراعات وعداءات واحتقان بين مؤسسات الدولة والمجتمع.

وكان من المفترض أن تتم السعى إلى حلول سليمة، وكان يمكن أن تصدر وزارة الداخلية بيان اعتذار بشأن واقعة اقتحام النقابة وتقديم المسئولين عن تلك الواقعة إلى العدالة، وأن تكون الداخلية هي تلك الوزارة الأكثر حرصًا وسعيًا لتطبيق القانون، ولكن بالرغم من كل ذلك فقد تم تحويل قيادات نقابة الصحفيين إلى المحاكمة الجنائية العاجلة كإنهم هم المعتدين.

للاطلاع على التقرير كاملًا وتحميله اضغط هنــــا

للاطلاع على نسخة PDF من التقرير كاملًا اضغط هنــــا